مسودات
moswaddate
معلومات المدون:
الإسم : عبد العاطي جميل
البلد : المغرب
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
شاعر من المغرب

:: المسودة في زمن التمرد الشعري ...

المسودة في زمن التمرد الشعري

تأملات في مسودات الشاعر عبد العاطي جميل

عندما تبحر أسطوانة الذاكرة في أرخبيلات الزمن كي تسقي ينابيع التمرد على التلوث الفكري والارتجال الثقافي ، فإن الحلم والتجريد، وحدهما يكفيان لتحريك عجلة الإبداع ، وقلق الكتابة في ذهن المبدع الإيجابي . وعلى هذا الزمن القاسي ، فتحت كراسة إبداعي آملا في نقش أسطر متواضعة على صفحة جمر شعري مغامر ، اشتعلت سدوله بقصائد ومسودات من توقيع شاعر من الطينة المغامرة والجمرة الحارة ، أنجبته عاصمتنا الإدارية في نهاية الخمسينيات ، واحتضنته عاصمة الشعر والإبداع والنخيل أستاذا وشاعرا مراكش الحمراء .. والحق أن الدخول إلى عالم القصيدة من نافذة الشاعر عبد العاطي جميل من المهمات الصعبة ، والمقاربات العسيرة ، فمداره الشعري عالم متحرك ، مليء بالحياة ، متشعب و أخطبوطي ، مترامي الأطراف . فتجاعيده الشعرية تبدو وكأنها فضاء لا متناه ، يتمادى في أرخبيلات العسر الكتابي ..

الشعر لحظة قلق حضاري متدفق ..

الشاعر عبد العاطي جميل يكتب من عمق ذاته وفكره ، يحرر بدماء قلبه ، قبل مداد قلمه وهيجان عواطفه ورقة مشاعره وصدق تعابيره ، فانفجرت وتفتقت مواهبه وقنابل الإبداع في تجربته الشعرية ، فبلور تصوراته ومواقفه وأحلامه ورغباته في قالب شعري فخرجت من بين أنامله مسودات شعرية متعددة نشرت في صحفنا الوطنية والعربية وأذيعت في اللقاءات الشعرية والثقافية .. وظل الكثير منها بعد ولادته ينتظر الإفراج عنه ، ومغادرة محفظة الشاعر في الطريق إلى دور النشر والطبع ، كي تعلن حقيتها في القراءة والدراسة والتحليل ..

كم يصعب القبض على كائن شعري ، يتلون بتلوينات مختلفة ، فشعر الشاعر جميل لحظة قلق حضاري ، وكومة من المشاعر والأحاسيس ، وعنف متدفق أحيانا كثيرة وهو يقول في مسودة الخروج ؛

... سأخرج ..

سأخرج عن طاعة الجميع

لأن لهم وجوها

ولي وجه

لو أبدله

أضيع ...

فعنف المسودة قوتها ، صلابتها ، دليل على صدقها وتجذرها ، وتأكيد انتمائها إلى عالم الحقائق ، وقدرتها على إدراك المجهول ، وملامسة القيم والمثل والمبادىء الإنسانية . ببساطة صدق وعنف المسودة دليل على شعريتها وجماليتها . ومن ثدي القصيدة الحديثة رفع الشاعر عبد العاطي جميل لبن القوة والتحرر من سلاسل وقيود القصيدة التي تضع الشاعر خارج مدار الشعر ، وترغمه على إنتاج وولادة القصيدة بعد أن تجرده من تمرده وحالاته وتدفقاته . فحال القصيدة أنها لا تسبح في نهر العادة والنظام والحواجز ، والممرات الضيقة ، وشوارع الاتجاهات المسموح بها . إنها محور التحول والخروج عن الثابت وأجهزته وآلياته . ولذلك قال الشاعر العاشق نزار قباني ؛ " القصيدة ليست لها عادات تحكمها ، أو نظام روتيني تخضع له . إنها امرأة عصبية وشرسة .. "

الشعر ديمقراطي بامتياز ..

إن سؤال الكتابة أو القصيدة السؤال تسكنه باستمرار، ووتسكن تصنيفاتها ورهاناتها ودوافعها المركبة في إقدامها وفي إحجامها . يقول الشاعر في مسودة الاحتيال ؛

... سأعد لك ما استطعت

من حيلة

سأطفىء مصباح زيتي

بخشوع زائد

سأضع خطة باذخة

للإيقاع بك الليلة

وليس غدا

أيتها القصيدة الهاربة ...

ولعله بعد هذه المكاشفة المتواضعة لجوانب من تجربة الشاعر . نجد أن بدواخلنا أسئلة محرقة وقلقة ، تسكن مشاعرنا ، وتسيطر على هواجسنا من قبيل ؛ كيف يحضر وحي الشعر ؟ . هل للشعر قابلية التعايش والتزاوج والتذاكر مع هذه الأسئلة ؟ . وكيف يحاور موضوعاتها ؟ .

لاشك أن العبور إلى مسودات الشاعر عبد العاطي لا يتأتى بشكل متميز إلا بعد أن نستحضر رؤيته وتصوراته عن الشعر حيث يقول الشاعر ؛ " الشعر ديمقراطي بامتياز ، لأنه لا يصنف الشعراء حسب تواريخ ميلادهم ، ولا على حسب انتماءاتهم ، ولا حسب جغرافياتهم ولا ألسنتهم وألوانهم . لأن هذه التصنيفات تقع خارج الشعر وجوهره.. " . والشعر عندما يفصح عن لغته ويقذف ببوحه ، فلا يرجو من ذلك سوى تحقيق كينونته وفعاليته . ويضيف الشاعر عبد العاطي ؛ " الشعر لا يقول كلمته إلا ليحقق كينونته وفعاليته في الزمان والمكان والإنسان ـ طبعا ـ ولذلك فهو يختار موضوعاته ، لأن الكائنات الصامتة والصائتة جميعها صالحة لأن تكون مادة لموضوعاته ومساءلته . فيشكلها وفق منطقه المتميز والمتفرد ، وفق لغته الانزياحية الخاصة . " . والشعر الحق من منظوره دوما لاتخطئه العين ولا الأذن ولا القلب ، فهو يدرك بالحواس جميعها . يقول الشاعر في مسودة البيعة ؛

... سأجدد بيعتي

ألف مرة

للحب ،

كي يورثني

مزيدا من الشغب ..

... سأجدد بيعتي

ألف مرة

للشعر،

كي أقول مجازا

كل هذا العطب ..

... سأجدد بيعتي

ألف ألف مرة

للرفض ،

كي يحتلني

إلى الأبد ...

واللافت للانتباه على مستوى تفضيء مسودات الشاعر أنها مطبوعة بطابع اللابداية واللانهاية إذ أن الشاعر عبد العاطي يبدأ مسوداته الشعرية بنقط الحذف . وينهيها كذلك بنقط الحذف كما في المسودات التالية ؛ مسودة النزول ـ مسودة سفر الرغبات ـ مسودة غمغمة ـ مسودة الوضوح ... فتبدوالقصيدة في شكلها العام وكأنها جزء مبتور من واقع معين أو لقطة من تجربة أو من هم أو متخيل أو من ذات ما . ويمكن القول إن المسودة الشعرية ليست عالما مطلقا بل هي جزء مكون لهذا العالم ، تتقاطع فيه التجربة الشعرية مع البعد الطبيعي والوجداني والتخييلي والكوني والذاتي في أجمل الصور وأبدعها وأرقاها .. وإن كان ولابد من وصف قصائد الشاعر وتسميتها فلا نرى تسمية أدق وأعذب من لفظ المسودات الذي اختاره الشاعر كمفهوم للكتابة الشعرية لديه ..

والمسودة كائن لم يخلق على هيئة واحدة ثابتة وجامدة .. فالمسودة كتابة شعرية لم ينته الشاعر ولن ينتهي من تنقيحها وفحصها وإصلاح أعطابها حتى ولو خرجت بين دفتي ديوان .. يقول الشاعر جميل عن المسودة ؛ " هي ذلك المنعطف المكثف في الكتابة لشعرية ، وهي ذلك المشروع المفتوح ضد النهائي والمطلق والمكتمل ... " فالمسودة إذن لا تدعي الكمال والسلامة من الأعطاب . فمسودة الشاعر حسب الباحث حميد منسوم تقوم على المدماك التالي ؛ " القصيدة كانت ولا تزال مشروعا مفتوحا وليست مشروعا محسوما .. " وهو الرأي ذاتهالذي يؤكده الناقد عبد الجليل الأزدي " لاتكف المسودات عن أن تكون مسودات بالمعنى الأليف والمألوف ، لتتحول إلى مبيضات دون أن يفارقها وعي النقص مع ذلك أو بسبب منه . يقود الاعتراف بوعي النقصان الملازم لمسودات الشاعر عبد العاطي جميل والمحايث لها إلى القول بالنسبية في الشعر . كما في التاريخ والمجتمع والسياسة . والقول هذا يقود إلى حقيقتين ؛ تقول الأولى إن المسودة عمل مفتوح على الزمن . أما الثانية فترمي بالسفه ادعاءات الإطلاقية والشمول .. " .

ومن هنا كانت إشكالية القبض على تجربة الشاعر الذي لا يكاد يبرح عالم القصيدة في كل زمان ومكان وهو يقول في مسودة الوشوشة ؛

... حينما فتحت قلبي

هذا المساء

وجدتها

تجوب شواطىء حزني

شريدة ..

تكتب على رمال الذكرى

كلمة وحيدة ..

وحينما سألت كنيتها ؛

" من أنت ؟ "

قالت بكل غنج ؛

" أنا القصيدة .. " ...

تمنع الشاعر والقصيدة

إ

ن قراءة المسودة قراءة نقدية تأملية ، مسألة لا تخلو من المجازفة أو المغامرة ، لأنها تنفلت من قبضة القلم الناقد كانفلات الماء من أصابع اليد .. أو تبدو كأنها حوض مائي يستهويك بكل مكوناته ، ويثير الرغبة لديك ويدفعك إلى التقرب منه ويتملكك فضول اكتشاف

فصوله وبحوره ..

غير أنه بمجرد ما تلج أطراف سدوله ، يفاجئك بحركاته واندفاعاته وقوته وتنويعاته وتدفقاته وخصوصياته .. فتشعر أنك وقعت ضحية مغامرة أرغمتك عليها دوافعك النفسية والوجدانية وربما هواجسك المعرفية والإيديولوجية ..

وفي اعتقادنا فإن المناولة الشعرية وترصد القصيدة ، لا يقتضي بالضرورة وضع مسافة محددة ومعينة اتجاهها ؛ فقد تدعوك أحيانا إلى نفسها ، فتصطدم بفراغ ذهنك ووجدانك ، وقد تدعوك وتصادف فيك رغبة جامحة في تكسير جدار الصمت والسكون على مقطوعة شعرية أو خاطرة ، ولعل من بين القصائد التي عاش من خلالها الشاعر جميل مرارة هذه الجدلية الإبداعية ، وهذا القلق الفكري والوجداني ، هي مسودة التمنع حيث يقول ؛

... ودعتني ،

ثم دعتني إليها ،

فلم أجب ..

ولما حبوت إليها ،

لم أصب ..

فكان التمنع منها ومني

بينها وبيني

كون من الحجب ..

ما أتعسني ، ما أتعسني

حين تدعوني

القصيدة

فلا تجدني ...

وأنت تقرأ هذه المسودة ، لا بد أن ترسم في فضاء اعتقادك موضوع المرأة ، فتتصور المسودة ، وكأنها ملفوفة في زي نسائي فتقرأها أو على الأقل تصنفها في خانة القصيدة الأنثى ( المرأة ).

لكن في نهايتها يكشف لنا الشاعر عن تلك الصورة الشعرية التي تتجاوز المجسمات التأملية والتخييلية إلى حقيقة تنخر في جدار العلاقة بين الشاعر وقصيدته ، لتوحد في نهاية المطاف تعاسة الشاعر بضياع خلية القصيدة في جسمه أو على الأقل بغياب نجم المسودة في ذهنه لحظة البحث عنها . إذن فخلوة الشاعر لا يمكن أن تولد إلا هذا التردد والتعاسة لحظة الغياب .. وقد حدد الشاعر مكونات هذا المد والجزر في التمنعوالوداع والدعوة والحبو والتمنع ..

قصيدة الحب ، حب القصيدة

والحق أن المرأة والوطن والذات مواضيع استهلاكية في السوق الشعري ، غير أن الشاعر عبد العاطي جميل ، لا يتخذ من المرأة كأنثى وذات موضوعا شعريا طاغيا ومؤثرا في إبداعاته الشعرية ، فقصائده الغزلية تكاد تكون معدودة ، بل يتخذ من القصيدة الأنثى الجديرة بالاستهلاك وبالمغازلة وبالمكاشفة عن أسرارها ودواخلها . باعتبارأن القصيدة لحظة اختزالية لهدير الكون وحركاته ومكوناته ..

وعندما تزدحم في وجدان الشاعر الإنسان حرقة الحب وتحولات الواقع ، ورائحة التوتر والانفعال والجنون والهوس . فإن صوت القصيدة ينشطر حينها بين حب الآخر كذات مخالفة ومغايرة للذاتي في تركيبتها البيولوجية ، وحب القابع في زاوية الذهن والقلب معا ن وهذا الانشطار الذي نلمسه عند الشاعر في مسودته كوني قصيدة كي أحبك ، حيث المرأة تتحول إلى المطلق اللامحدود ، ببساطة المرأة تتحول مجازا إلى مقطع شعري . هذه المسودة تشكل نبضا حقيقيا ودخلا رئيسيا لفهم شبكة العلاقة بين الشاعر والقصيدة والمرأة . وقد حاولت أن أقتطف من بستان هذه الوردة الأكثر تعبيرا وتجسيدا لهذه العلاقة إلا أن هذه المسودة بدت لي وكأنها جسم أو جسد واحد ، لا يمكن بتره ، من هنا قررت أن أورد المسودة كاملة حيث تقول ؛

... حبيبتي ،

أحبك بكل اللغات

أحبك بكل الصفات

أحبك بكل الورقات

وبالشهود وبالوعود

وبالمثول وبالعدول

وفي كل الأوقات ..

أهديك مالا

وعربات وإمارات ..

لكنني ، يا حبيبتي ،

لا أستطيع أن أهديك قصيدة

أو بعض كلمات ..

ولتفهمي ، يا حبيبتي ،

أن الحب درجات ..

وحب الشعر لدي

أسمى الدرجات ..

فكوني قصيدة ،

كي أحبك ،

حتى الممات ..

وإلا كنت ،

لحظة نزوات ..

ومازلت محض ذكريات ...

إذن فحب الشاعر عبد العاطي جميل للقصيدة حب أزلي ، دائم ومستمر ومتدفق من شلال العلاقة بينهما ، وحب المرأة الحبيبة محكوم بلحظات وفترات متقطعة ...

كتبت هذه الورقة بمناسبة اليوم العالمي للشعر .. وألقيت في تخليد هذه الذكرى التي أقامتها جمعية تاسلطانت للتنمية والثقافة والرياضة بمراكش .. وذلك يوم 27 مارس 2004 بتاسلطانت ..

التوقيع ؛ حفيظ الفارسي

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






الأوصاف