الخميس, 04 يونيو, 2009
ليست المسودة مجرد عنوان شعري بعمق شاعري لمجموعة شعرية. يؤدي دوره في عملية التلقي .. وفي البناء الفني كتكثيف لشحنة دلالية وإيحائية تنتشر عبر نصوص هذه المجموعة . فالشاعر عبد العاطي جميل يؤكد بأن الأمر يتعلق بمصطلح بدأت بعض ملامحه العامة تتضح . لتعكس تصورا حول الكتابة الشعرية ..
إن المسودة حسب ما أكده الشاعر تتأسس على الحد النقيض من الاكتمال . إنها ضد كل ما هو مكتمل ونهائي . وبذلك فهي ترتسم كأفق مفتوح لا تحده نقطة قابلة للتعيين كغاية قصوى ، أو كاكتفاء ذاتي بالذات أو كانطواء مغلق عليها . فالمسودة تكون هي تلك التفضية التي تتسع وتتمدد وتتقلص وتتضاعف بإمكانيات الإضافة والنقصان . حيث يكون الطمس والكشف والتشطيب والإلغاء ، ليس قوة سالبة تستنزف ما سبق تشكله فقط ، وإنما كذلك إضافة لفائض ينعدم كل ما بإمكانه أن يرده إلى حدوده . إنها تفضية كرافية منزاحة عن نفسها ، تتأسس على القابلية الدائمة للتغير والتحوير . إن المسودة هي ذلك الحيز الذي يكون فيه دائما شيء ما يمكن إضافته ، أو حذفه ، أو تعديله ، أو محوه . إنها تدفع البعد التثبيتي للكتابة نحو استحالة يصعب تجاوزها . حيث الكلمة المكتوبة لا تثبت شيئا . لأن ليس هناك ما هو قابل للتثبيت سوى الفراغ .. وإنها تتشكل كفتحة من خلالها ينفذ التغير والحركة والطفرة والصدفة إلى المسودة . حيث يستحيل كذلك الحصول على حضور ثابت للمعنى ، أو الدلالة ، أو الصورة ، أو القصد .. فالكل يبقى قيد التشكل في المسودة ، وليس بإمكانه الوصول بذاته إلى درجة قصوى من الحضور الصافي . فالأثر يغمره الامحاء ، والحضور لا ينفك يغيب ن والذاكرة يتاخمها النسيان ..
في المسودة لا يمكن البحث عن قاعدة للأصلي . فليس فيها أي وضع أصلي مكتمل . إن كل تحقق لا يعدو أن يكون إلا احتمالا عابرا ومؤقتا . لذلك فهي لن تكون خزانا للحاصل والتام من المعاني والدلالات التي تنتظم في هوية واحدة . بقدر ما ستكون حيزا للفوران والتشظي لا يتساوى مع نفسه قط ، فإما أن يكون ناقصا وإما أن يكون زائدا . لا وجود فيه للتآني ن إما حلول قبل الأوان ، أو حلول بعد فوات الأوان . إن هذا الوضع يحيل المسودة إلى حركة مسترسلة لاختلاف الفجوات والثغرات التي تنفي كل إمكانية للامتلاء .
إن الشاعر عبد العاطي جميل يقر بأن " القصيدة عندما تنشر تموت بالنسبة للشاعر لتحيا حياة جديدة بالنسبة ." للمتلقي الذي يعقد معها مبثاقا جديدا . هذا التأكيد يجعلنا نتساءل ؛ هل بإمكان المسودة أن تحتفظ للذات بموقع تأسيسي ظ . هل لازال بإمكانها أن تجعل قصدية الذات كنواة تنتظم حولها ؟ .
إن المسودة لا تتيح إلا إمكانية التعدد ، التي تمنح للذات مجرد موقع احتمالي لا يتميز بإي حصانة رفيعة . لذلك فإنها ( أي المسودة ) تتضمن قلبا لفاعلية الزمان . فلم يعد بإمكان الماضي أن يكون له موقع مؤثر فراهنية المسودة متوقفة على مستقبلها ، بما يحمله لها من احتمالات جديدة . حيث يكون الأفق المستقبلي للتلقي ، هو المنبع المتدفق الذي منه ينبثق المدى الحركي والمتجدد للمسودة ..
بقي أن نشير إلى أن مفهوم " المسودة الشعرية " يتضمن تشكيكا في إمكانية قيام شعرية بمثابة كلية موحدة . مثلما يؤكد على استحالة اختزال الاحتمال الشعري في نموذج عام أو وحدة سابقة .. رغم كل هذا ، فإن كل ما أوردناه سابقا ، لا يأخذ موقعه كإمكان ، إلا من خلال طمس أولي لسؤال أساسي ؛ يمكن تلخيصه في ح كيف يمكن للمسودة أن تحافظ على انفتاحها المستمر ظ .. ما الذي سيجعلها تتمتع بخاصية عدم الاكتمال ؟ .. هل ضمانة كل هذا توجد في اللغة ؟ .. أم في الزمان ، أم في الكينونة ؟ .. ألا يمكن اعتبار أن إمكانية المسودة الشعرية منبثقة من الوجود كمسودة لم يحن بعد اكتمالها ، يحملها الزمان دائما بعيدا عن نفسها ؟ .. ربما ..
عبد الصمد الكباص
11 ـ 12 ـ 1998
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








