عبد العاطي جميل
عن منشورات اتحاد كتاب المغرب ، وفي طبعة جد أنيقة ، صدر للشاعرة المغربية إيمان الخطابي ديوان شعر وسمته ب " البحر في بداية الجزر ". صمم غلافه الفنان المغربي عبد الله الحريري . وقد قسمت الشاعرة الديوان إلى ست وحدات . كل وحدة تحتوي مجموعة من النصوص الشعرية وهي على التوالي : 1 ـ البحر في بداية الجزر وتتضمن خمسة نصوص هي ( سن ، قسوة ، اكتفاء ، حكاية ، سجن .)..2 ـ خطوط وتتضمن ستة نصوص هي ( واقع الاحتمال ، التوجس ،سيرورة ، أرصفة ،شوارع الليل ، أعمدة النور )3 ـ تضاريس لا تجد مكانها وتتضمن عشرة نصوص (ثقل ، سوء ظن ، تذكير ، غرور ، نقيصة ، عناكب ، خيبة ، هجر ، الرابية ، الضجر ) .4 ـ أشياء هشة وتتضمن ثلاثة نصوص هي ( وهن ، أمل ، هشاشة .) .5 ـ عيون ونوافذ وتتضمن أربعة نصوص هي ( ستائر ، عيون ، طقس ، ترقب .) .6 ـ روح وأجساد وتتضمن خمسة نصوص هي ( نفاد ، موازنة ، تعلة ، أعمى ، تيار .) .وقد انضاف إلى هذه الوحدات نصان شعريان يختلفان من حيث بنيتهما . وهما : الصبي والبحر وأسميني هاجر .. وتندرج نصوص الديوان ضمن ما يصطلح عليه بالنص الشذرة أو النص اللقطة أو النص الصورة . باستثناء النصين الأخيرين المختلفين ..فمن خلال القراءة الأولى لنصوص الديوان يتضح أن للشاعرة إيمان الخطابي قدرة هائلة على الملاحظة في التقاط الصور الطبيعية ، وإعادة تشكيلها بعبارات مكثفة مختزلة بدلالاتها المفتوحة على الاحتمال ، محققة بذلك للمتلقي لذة القراءة ، وهز التأمل .. وليس من باب المبالغة في شيء إذا قلنا إن ديوان " البحر في بداية الجزر " بحق أحد الدواوين الشعرية المتميزة الصادرة مؤخرا عن منشورات اتحاد كتاب المغرب للشعراء : محمد الشركي ،محمد بنعمارة ، سعيد سمعلي ، عبد الدين حمروش ،محمد بلمو ... فديوان الشاعرة حافل باللآلىء الشعرية التي لا تحتاج إلى سبر الأغوار والتفكيك ..لأن شعريتها تتميز بالبساطة العميقة و وبعنف متخيل في نقدها للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وبلغة غير مباشرة ، بحيث تزوج الشاعرة لإيمان مفردات اللغة زواج متعة مناسبة ، لها وقعها القوي على المتلقي ، بسخريتها الجارحة أحيانا ، وبثقتها الأكيدة أحيانا ، ودونما افتعال تشق الشاعرة طريقها مبحرة في بداية جزرها الشعري لتضع بصماتها المائزة على خريطة الشعر المغربي ، ودونما مجاراة للشاعرات اللائي اتخذن الجسد بؤرة للشبقية والاستثارة ، فبدأت تأفل صورهن الشعرية من التكرار والاجترار .. فقد كان اختيار الشاعرة إيمان الخطابي صعبا لا يجاري السائد وهي تقول : لست ماء كي تجرفيني أيتها المجاري . ص 25 إن الشاعرة إيمان لا تقدم موضوعاتها إلا من خلال الصور الشعرية الحافلة بالمواقف والأحاسيس الإيجابية ، والرافضة لكل خنوع واستسلام ، لأنها حمالة لرؤى نقدية لما يجري حول الذات الشاعرة في بعديها الذاتي والموضوعي ، ولتقريب الصورة نقترح هذه النماذج الشعرية على القارىء ليتأملها ويتذوقها بنفسه ، مادامت ليست بحاجة إلى وساطة فهي فارهة وتقوم بدورها حسب الشاعرة ذاتها : كل صباح كنت أقبع بين رجليها الممدودتين أترك شعري لأسنان مشطها بينما أمنع رأسي من السقوط ( قسوة ص 8 ) .. ـ يغلق النوافذ يغلق الأبواب يضع على عتبتي حارسا أحول الحارس ساعي بريد وأضحك عاليا ( سجن ص 11 ) .. ـ خط أبيض خط أحمر وأنا بينهما الممنوع من الوقوف ( أرصفة ص23 ) .. ـ ولأن الحصى لم يكن بخفة الوقت بقي محاصرا وانفلت الماء ( ثقل ص 23 ) .. ـ منكفئا على جرحه كان النرجس حين ظنه الماء يتأمل شكله ( سوء ظن ص 24 ) .. ـ ينسج الفرح بغصنك عشا ولا يأتي ليسكنه ( هجر ص 30 ) .. ـ احدودبت من وجع الناي ( الرابية ص 31 ) .. هذه النماذج الشعرية غيض من فيض تصور بوح الشاعرة ، ومنطوقها الخفي ، وتأملاتها الحرى ، مستعيرة الكائنات الصامتة والصائتة للتعبير عن الحياة في بعديها الإنساني والجمالي .. هكذا تراهن الشاعرة إيمان الخطابي على شعرية " الماقل ودل " لتؤكد حضورها في فضائنا الشعري المغربي خاصة ... ملحوظة : نشرت في جريدة الصحيفة . العدد 78 ـ 12 / 18 . شتنبر 2002
الجمعة, 27 يونيو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








