مسودات
moswaddate
معلومات المدون:
الإسم : عبد العاطي جميل
البلد : المغرب
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
شاعر من المغرب

:: مسودات الاختلاف في زمن المطابقة أحمد بلحاج آية وارهام

مسودات الاختلاف في زمن المطابقة ...

أحمد بلحاج آية وارهام

1 ـ نقطة أسفل الألف :

سأفتح الذاكرة المطلسمة ، وأحلم بسوادي في بياض كالموت شرس ، وأضع تحت الألف ( المختزنة والمختزلة لبداوة الحيف والحذف والهيمنة ) نقطة الزلزلة ، كي أرى الوجود قبل كلمة الموجد .

ففي السواد أرى ما لا يتمرأى

السواد المتألق المنير ؛ فيه أرى إلى الشعر بما هو تأسيس للكينونة ، وعمق أنطولوجي ، ينتج معرفته الخاصة والقاطعة مع المعارف المتماوجة على أوقيانوس الوجود .. معرفة دافئة في قارة معارف جليدية .

2 ـ مسودات تمتهن الاختلاف :

في الكون كما في ميتافيزيقا العقل والإدراك واللغة تتصارع ذاكرتان شعريتان :

أ ـ شعرية المطابقة ، وجوهرها الاستعارة ، وسماتها العبور بصريا على الظاهرات الواقعية والكونية بلغة المهادنة والانسجام ، والتشابه والتآلف ، والتواطؤ والتطابق .

ب ـ شعرية الاختلاف ، وجوهرها الرمز ، وسماتها إدراك العلاقات بين الظواهر والأشياء إدراكا يكون الرمز فيه (( حالة لغوية تتصف بها اللغة الشعرية حين يتجاوز الإدراك المعرفي رؤية العين والعقل إلى رؤيا النفس التي تسعى إلى اختراق الأشياء في العالم بإدراك أسطوري ، فهي تعطي معنى للأشياء وللكائن يتجاوز الظاهر والمنظور والموصوف )) ، بحيث لاتتم الإحالة فيها على واقع ما ، سواء أكان لغويا أم نفسيا أم اجتماعيا أم سياسيا ، وإنما تكون الإحالة فيها ذاتيا أولا وبنائية شمولية ثانيا .

إن هذه السمات التي تمتاز بها شعرية الاختلاف ضدا على شعرية المطابقة هي التي تسبح في مياهها مسودات الشاعر عبد العاطي جميل .

3 ـ مسودات لا تحيل إلا على نفسها :

فأغلب قصائدها هي قصائد نفس مركز ، وقصائد النفس المركز لا تكون إلا مكتفية بذاتها ، ومنفتحة على نفسها ، لا تقرأ الواقع بعين مظهرانية ( فينومينولوجية ) ، ولا تسرد مفرداته وكائناته وحالاته بآلية البصر ، وإنما تعيد تركيب تحولاته المستمرة بشغب البصيرة ، ولهب الحدس ، وقلق الوجدان المعافى . فذاتيتها النصية هي ماهيتها الوجودية ، وماء سؤالها هو كينونتها ، ومن ثمة فلا مرجعية لها في غير جوهرها ، وعبثا إذن نحاول حين نحلم بالقبض على أية جرثومة ( = أصل ) تناصية فيها .

وليس معنى هذا كله أنها تمارس خيانة الصمت وصمت الخيانة مع القارىء ، وعشق الكلام مع ذاتها . فالمسودات تكشف وتفضح ، وتتناغم مع الكون بالعكس مما هو عليه ، وترثي الكائنات التي تمتهن البكاء تحت تحت سقف الذل الكوني ، فلنر إليها كيف تقرأ الوطن ، وكيف ترصد تشكله في دخيلة الشاعر مازجة بين الوجد والشجن :

كم أخفي عن عيونكم وطني

هذا الذي يتشكل

نبضة .. نبضة

في دواخلي

لكن عيوني تكشفه

وسطوري تفضحه ...

علي أن أرثي هذه الكائنات

التي لا تجيد إلا البكاء . ( ص 17 )

ولنر إليها ثانية وهي تتقرى ملامح الماء الذي يزور الشاعر كل ليلة بهيئة طائر البشرى :

يجيئني الماء كل ليلة

فينقر حلمي الخصيب

أفتح ...

وأوصد خلفه نوافذ الحروف

كي لا يمسها عسس

وكي لا تبوح عيون الليل

للغد

أن الماء يجيئني كل ليلة

فأحمل شمعداني

لأضيء أحلام البسطاء . ( ص 16 )

إنها مسودات تفصل بسكين البراءة الشعرية بين قصيدة في حانة تكرس اليتم الوجودي والقهر الكوني ، وبين قصيدة في زنزانة تبعث غيثا ، وتوشي لحنا ، وتصير طيرا :

ليس شاعرا

من يكتب قصيدة

سكرى

في حانه ...

لكنه شاعر

من يكتبها طيرا

في زنزانة

يبعثها غيثا

تروي أوطانه

ينشرها وردا

توشي ألحانه . ( ص 18 )

4 ـ بناء الصورة في المسودات :

ليست الصورة الشعرية لدى الشاعر عبد العاطي جميل من قبيل الصور التي تبنى على التشابه والتطابق والتواؤم ، بل هي صورة بقدر ما تتكيف مع مكونات البلاغة ووجوهها المتداولة ( تشبيه ، استعارة ، مجاز ، طباق ن ترديد ) بقدر ما تختلف معها ، وتمحو كل أثر للعناصر البلاغية في صيغها المفردة ، وسلاليمها الدلالية ، آفاقها المحدودة بالسياق النصي ، والمعيار العقلي .

إنها صورة / صور تقيم عناصر بلاغية جديدة ؛ جذورها في رؤيا الشاعر وعالمه النصي ككل ، وبهذا تكون مجانفة للعالم البلاغي ذي السياقات والمعايير الجاهزة لاحتجاز الظواهر المتلعلعة على سطح الوجود .

5 ـ مسودات لغتها الانزياح الأبهى :

ففي مراوغة اللغة ومكرها ، وبهما معا ، تنسج هذه المسودات بساطتها ، وفي أتون الانزياحات تتشكل شباكها الدلالية ، وخلف غابات المحلوم به تتناسل سراديبها . وكما أن الحلم لا يتشابه بين فردين لغة وتشكلا واندفاقا ، فكذلك قصائد الشاعر جميل ، فهي بصمة روحه التي لا تتماهى مع بصمات الشعراء .

6 ـ مسودات تلج حدس الوجود :

إن مسودات هذا الشاعر تلج حدس الوجود بما هو أعمق من كل برهان تركيبي أو تحليلي على إثبات الكينونة . فهي شعر ينقل الوجود من عتمته وعتبته الخاصة إلى عمق كل ذات .

وإذا كان العلم لا يحتاج إلى غير نظرياته كي يعقل العالم ويعتقله ، فإن الشعر لا يحتاج إلا إلى شعريته ( = فنيته ) لكي يفك أسر العالم ويعيد إليه حريته . فالعلم يعيد إنتاج العالم كمعرفة ، كشيء منسجن في شيئيته ، والشعر يؤنسه ويدخله في حضور ما مضيء ولا متناه ، يقتحم ما وراء التسمية ولا يقف على عتبة الاسم ، فمثلا التفاحة في العلم تبقى حبيسة قانونها العلمي ... لكنها في الشعر تختلف بأحوالها اللامحدودة عبر التناول الإنساني جوانيا وبرانيا .

فالمعرفة غير الشعرية تمنحنا تحديدا العالم اللامحدود عيانيا وحياتيا ، وتتعاطى معه بطريقتها الخاصة . وهذه الصلة باللامتعين هي التي تمنح شعر الشاعر عبد العاطي جميل حرية المضاربة على الوقائع عينها بما يتعدى الوقائع إلى شبه مقترحات تعرض عن الحقيقة ، وتنادي على اسم الحقيقة . فهو شعر يمثل حالة وجودانية تصل القارىء بفعل الكون ، وتجعله يفوز للحظة بحافة ما من الكينونة .. إنها حافة الحرية التي تخرجه من الغربة إلى الألفة .

7 ـ أرق سعره أقنوم الثنائيات :

غير أن ما يؤرقني في بعض قصائد جميل هو تفسير الكون بأقنوم الثنائيات الذي تجاوزته الفلسفة المعاصرة بآماد ضوئية ، فمعيار التضاد معيار مانوي ، يحجب ولا يكشف ، يوهم بالإضاءة وهو في أقصى ذروة التعتيم . والشعر حين تسجنه ثنائيات واعية أو لاواعية يكون قد سار في خط أحادي و مستقيم ( لا نقصد بالاستقامة هنا معناها الأخلاقي والديني والهندسي ) كالمسرنم أو كاليقظ بصرا والهاجع بصائريا ، لا شهوة له ولا غواية ، ومن الغواية جاء الشعر لا من الطهرانية .

إن الشعر ـ ولا نعني ب ( أل ) هنا ( أل ) العهدية أو التذكرية أو التعريفية أو الاستغراقية ، بل نعني ( أل ) الحلمية ـ في جوهره حلم ذو يقظة شعرية وحركة تستغرق مختلف أشكال الخط الهندسي ، ومختلف تلوينات اللغة .

فحين تندفع الثنائية في جسد القصيدة ، فإن الحلم يذوب ، وتطفو لغة وازنة على سطحها ، هي لغة المقايسة ، وسأكتفي بنموذج واحد هو ( مسودة الشراب ) التي تقول :

جسدي روح

وروحي جسد

في آنيه ..

فلتكوني ساقيه ..

تشربني

تشربني

قطرة

قطرة

في ثانيه ( ص 23 )

فثنائية الجسد والروح في هذا النص صارخة ، رغم قناعها المطمئن لصوفيته . فنفسها يحيل على أصداء من أنفاس الحلاج ، ونفس القائل :

جسدي روحي وروحي جسد نحن سران مشينا خببا

قد  شربنا  من  يد  واحدة واختلفنا حين ذبنا طربا

تارة تبصر جسمي ولدا وسويعات ترى الروح أبا

أيها الواقف في نقطته أنت بالضدين قست السببا

وهم من عين أمري انطلقا صوب كنهي يطويان الحجبا

8 ـ نقطة لا نقطة بعدها :

هل أقول مع جان كوهن (( إن الشعر علم وموضوعه الشعر )) ؟ أو أقول : في الغياب يدخل كل ما أسس ، ولا يبقى ساريا في فضاء الكينونة إلا ما يؤسسه الشعر ؟ .

هوامش :

ـ مسودات شعرية للشاعر عبد العاطي جميل ، صادرة عن ( كراريس تيزي للتداول الشعري ) بمراكش في شتنبر 1998 م . وهي مجموعة شعرية تضم عشر مسودات .

ـ وقد قدمت هذه الورقة ـ مع أوراق أخرى وشهادات ـ في الحفل الثقافي / الفني الذي أقيم بمندوبية وزارة الشؤون الثقافية ( = رياض الثقافة ) بمراكش يوم الجمعة 11 دجنبر 1998 احتفاء بتوقيع هذا الإصدار .

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






الأوصاف