حوار صريح مع الشاعر المغربي عبد العاطي جميل ...
الشعر هو ذاك الترمومتر الذي يقيس نبض المجتمع وللوقوف على كل هذه الأشياء ، كانت لنا هذه الوقفة التأملية مع الشاعر عبد العاطي جميل ..وهو من مواليد 1958 .متزوج ، وأب لشاب " أصيل " .. وهو أستاذ اللغة العربية بالثانوي التأهيلي بمدينة مراكش . عضو بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان ـ فرع مراكش ـ . وعضو بمركز التربية على الحقوق الإنسانية للمرأة بالرباط . ومشارك في مختلف الأنشطة التربوية والحقوقية والثقافية . ينشر مسوداته الشعرية ، ومقالاته في مختلف الجرائد والمجلات الوطنية والعربية . ومنها الطريق ، المنظمة ، المبادرة الاشتراكية ، بيان اليوم ، المنعطف الثقافي ، أخبار الأدب ، الصحيفة ، طنجة الأدبية ... صدر له : ـ مسودات مجموعة شعرية ، ضمن كراريس تيزي للتدول الشعري 1998 . ـ ديوان المختلف ،ضمن المنعطف الثقافي . كما صدرت له مختارات شعرية ضمن العدد الأول من كتاب أفروديت الخاص بتجربته الشعرية . ـ يصدر له قريبا ديوان شعري مشترك مع الشاعر محمد بلمو بعنوان " حماقات السلمون " ..و ـ ديوان إيقاعات ... ـ س : ماهي العوامل التي أثرت فيك ، وجعلتك تختار مسار الشعر ؟ .. ـ ج : الشعر لم يكن في البداية اختيارا مع سبق الإصرار والترصد ، وإنما كان نزوة ، ثم تبلورت هذه النزوة مع الاهتمام المتواصل بالكتابة عامة وبالشعر خاصة ، تجارب الشعراء الذين ارتبطت أسماؤهم بالقضايا الكبرى الوطنية والقومية نذكر منهم : توفيق زباد ، معين بسيسو ، سميح القاسم ، أمل دنقل ،عبد الوهاب البياتي.. ومن المغرب نذكر : عبد اللطيف اللعبي ،عبد الله راجع ، أحمد بلبداوي ،أحمد المجاطي ، محمد بنيس ،وأحمد الجوماري ، وغيرهم ...كما أن ظروف العمل ساهمت في بلورة الكتابة ، باعتباري أشتغل في الميدان التعليمي والتربوي . وهذا يجعلني على اطلاع دائم ، واحتكاك مباشر مع مختلف المراجع الفكرية والأدبية والثقافية ، وغيرها .. ج ـ إن ما يسم مسوداتي هو المزج أو المزاوجة بين الألم والأمل ، فالألم مرده إلى رؤيتي النقدية الجمالية للواقع الرديء المعيش الوطني ، والعربي ، والعالمي على حد سواء . فهي رؤية غير مصالحة وغير مهادنة لذلك ينعكس ذلك الألم الذي يعيشه الإنسان على العبارة الشعرية ومعجمها وموضوعها .، لكن هذه الرؤية تظل مصحوبة بالتطلع إلى العالم البديل الممكن لذلك تنطبع بالأمل والتوق إلى تجاوز العالم الكائن إلى العالم الممكن المحلوم به وهو عالم الحرية والكرامة ...
أسير أنا كالنسيان في هذا الوطن .. لست ميتا ، وأهلي يبحثون لي عن كفن .. وأطفالي الطيبين عن شهادة وفاتي يبحثون في شجن .. كي يوزعوا بينهم إرثا من المحن .. أتراه وطن هذا ، أم وثن ؟ .. خارج الزمان ، وخارج المكان ، أنا .. وخارج حقوق البيان .. مختطف أنا ، كأحلام الصبيان .. فكيف تطلبون من طيفي أن يصالح الهوان .. وألا يسائل الجلاد ، إلا بالكتمان ؟ .. دمي يفيض ، ولا يفاوض ، خارج حقوق الإنسان ... دجنبر 2003
حبوت وكانت رباط تواسي طفولة رفضي .. نشأت ، اكتشفت على جسدي لسانا يقول أصابع تعوي حروفا ترامت تسابقني ... كأني سأكبر فعلا فأغدو كطفل أبعثرني خارجي بلا ضفة أطاول بحري أجاري دماء تلاطفني .. فتحت يدي على سفر كي أسوي مفتاح أفقي فعانقت تطوان قلبي وبانت سعادي ... كأني سأكبر فعلا جبال ..هضاب تعانقني .. تسلمني صغار القرى تشردني في المراعي .. على جسدي .. ؟ .. كأني سأكبر فعلا بلغت مجازي ، فقامت استعارات صوتي ترممني أنا طفلها الأبدي الذي يقول : كأني سأكبرفعلا على وطني الذي أضاع .. وضيعني ... 2008
عبد العاطي جميل
عن منشورات اتحاد كتاب المغرب ، وفي طبعة جد أنيقة ، صدر للشاعرة المغربية إيمان الخطابي ديوان شعر وسمته ب " البحر في بداية الجزر ". صمم غلافه الفنان المغربي عبد الله الحريري . وقد قسمت الشاعرة الديوان إلى ست وحدات . كل وحدة تحتوي مجموعة من النصوص الشعرية وهي على التوالي : 1 ـ البحر في بداية الجزر وتتضمن خمسة نصوص هي ( سن ، قسوة ، اكتفاء ، حكاية ، سجن .)..2 ـ خطوط وتتضمن ستة نصوص هي ( واقع الاحتمال ، التوجس ،سيرورة ، أرصفة ،شوارع الليل ، أعمدة النور )3 ـ تضاريس لا تجد مكانها وتتضمن عشرة نصوص (ثقل ، سوء ظن ، تذكير ، غرور ، نقيصة ، عناكب ، خيبة ، هجر ، الرابية ، الضجر ) .4 ـ أشياء هشة وتتضمن ثلاثة نصوص هي ( وهن ، أمل ، هشاشة .) .5 ـ عيون ونوافذ وتتضمن أربعة نصوص هي ( ستائر ، عيون ، طقس ، ترقب .) .6 ـ روح وأجساد وتتضمن خمسة نصوص هي ( نفاد ، موازنة ، تعلة ، أعمى ، تيار .) .وقد انضاف إلى هذه الوحدات نصان شعريان يختلفان من حيث بنيتهما . وهما : الصبي والبحر وأسميني هاجر .. وتندرج نصوص الديوان ضمن ما يصطلح عليه بالنص الشذرة أو النص اللقطة أو النص الصورة . باستثناء النصين الأخيرين المختلفين ..فمن خلال القراءة الأولى لنصوص الديوان يتضح أن للشاعرة إيمان الخطابي قدرة هائلة على الملاحظة في التقاط الصور الطبيعية ، وإعادة تشكيلها بعبارات مكثفة مختزلة بدلالاتها المفتوحة على الاحتمال ، محققة بذلك للمتلقي لذة القراءة ، وهز التأمل .. وليس من باب المبالغة في شيء إذا قلنا إن ديوان " البحر في بداية الجزر " بحق أحد الدواوين الشعرية المتميزة الصادرة مؤخرا عن منشورات اتحاد كتاب المغرب للشعراء : محمد الشركي ،محمد بنعمارة ، سعيد سمعلي ، عبد الدين حمروش ،محمد بلمو ... فديوان الشاعرة حافل باللآلىء الشعرية التي لا تحتاج إلى سبر الأغوار والتفكيك ..لأن شعريتها تتميز بالبساطة العميقة و وبعنف متخيل في نقدها للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وبلغة غير مباشرة ، بحيث تزوج الشاعرة لإيمان مفردات اللغة زواج متعة مناسبة ، لها وقعها القوي على المتلقي ، بسخريتها الجارحة أحيانا ، وبثقتها الأكيدة أحيانا ، ودونما افتعال تشق الشاعرة طريقها مبحرة في بداية جزرها الشعري لتضع بصماتها المائزة على خريطة الشعر المغربي ، ودونما مجاراة للشاعرات اللائي اتخذن الجسد بؤرة للشبقية والاستثارة ، فبدأت تأفل صورهن الشعرية من التكرار والاجترار .. فقد كان اختيار الشاعرة إيمان الخطابي صعبا لا يجاري السائد وهي تقول : لست ماء كي تجرفيني أيتها المجاري . ص 25 إن الشاعرة إيمان لا تقدم موضوعاتها إلا من خلال الصور الشعرية الحافلة بالمواقف والأحاسيس الإيجابية ، والرافضة لكل خنوع واستسلام ، لأنها حمالة لرؤى نقدية لما يجري حول الذات الشاعرة في بعديها الذاتي والموضوعي ، ولتقريب الصورة نقترح هذه النماذج الشعرية على القارىء ليتأملها ويتذوقها بنفسه ، مادامت ليست بحاجة إلى وساطة فهي فارهة وتقوم بدورها حسب الشاعرة ذاتها : كل صباح كنت أقبع بين رجليها الممدودتين أترك شعري لأسنان مشطها بينما أمنع رأسي من السقوط ( قسوة ص 8 ) .. ـ يغلق النوافذ يغلق الأبواب يضع على عتبتي حارسا أحول الحارس ساعي بريد وأضحك عاليا ( سجن ص 11 ) .. ـ خط أبيض خط أحمر وأنا بينهما الممنوع من الوقوف ( أرصفة ص23 ) .. ـ ولأن الحصى لم يكن بخفة الوقت بقي محاصرا وانفلت الماء ( ثقل ص 23 ) .. ـ منكفئا على جرحه كان النرجس حين ظنه الماء يتأمل شكله ( سوء ظن ص 24 ) .. ـ ينسج الفرح بغصنك عشا ولا يأتي ليسكنه ( هجر ص 30 ) .. ـ احدودبت من وجع الناي ( الرابية ص 31 ) .. هذه النماذج الشعرية غيض من فيض تصور بوح الشاعرة ، ومنطوقها الخفي ، وتأملاتها الحرى ، مستعيرة الكائنات الصامتة والصائتة للتعبير عن الحياة في بعديها الإنساني والجمالي .. هكذا تراهن الشاعرة إيمان الخطابي على شعرية " الماقل ودل " لتؤكد حضورها في فضائنا الشعري المغربي خاصة ... ملحوظة : نشرت في جريدة الصحيفة . العدد 78 ـ 12 / 18 . شتنبر 2002
في عينيك الحزينتين وأنت تعرفين أن طريق المجاز الذي يحفنا محفوف بالغرق ... ؟ فمدي ياطرك لعلي أرسو ليلة أو ليلتين على ضفافك للصلاة .. فحروف أبجديتي تتعثر في رسم ملامحك الشهية وعكاز البلاغة اهترأ في يدي .. أنت أسطورة جديدة لم أقرأك من قبل من بعد في كتب البلاغة في معاجم اللغة في دواوين الأشعار .. علي أن أجدد مويجات الرسو كي تفصحي عن مراقي الفرحة في عيون انتظاري بي رغبة فاقع لونها أن أرقى ففي مينائك أشهى رحلاتي وآخر محناتي ... 2008
بمراود قلبي
أراودها فأسودني .. في حروفي أخفيها .. فأكنيها وتؤولني حين تقرأني روح رغبتها تأوي روحي فتسكرني .. نرتوي من نعيم الجحيم تتداركني .. 2008
بيان القافلة إلى كل الضحايا .. إلى كل المقاومين ... أفتح النافذه .. وفي جملة واحده .. أقول : هذا وطن وثن يعبد الحيتان ، وينبذ الإنسان ، وتلك حكاية الوصايه ... قافلة صوب إيفني تمد اليدا .. تدين العسف ، تدين الخسف ، وتهد الصدى ... قالت المدينة الحزينه : لابد لي أشهر سيف الصبر في انتظار النصر .. فلي تاريخ صارخ يلبس ذرع الشهامة ، وثوب الشهاده .. فيا حزن الذل ، لابد لي أن أقهرك ... هكذا شهرت المدينة لاءاتها في وجه شاحنات بحجم سفينة نوح تحمل كنوز البحر يتجول الفقر فيه ... هل أقول : آيت باعمران آية آهلة بحب وعمران ، في ظل احتلال ، ترقب الأحلام والفجر .. وفي ظل استقلال ، تحصد الألغام والفجور ..؟ ... تخجل عذراء إيفني أن تقول : إن رجال أمن قد هتكوا ميثاق الإعلان فاغتصبوا تاريخ الشهداء وفتحوا الثانويات للتعذيب ، لا التهذيب .. وشققا للسياحة والإباحة ، كي ينسخوا تاريخ الأبطال ... فهل نسوا أن لإيفني خيولا تصهل في السهل كما في الجبال في وجه المسخ الجوال ؟ ... أو تناسوا أن آلات التصويرشاهدة على التزوير .. على كذب الوزير .. شاهدة على مقالع جند تسددها أيادي الخساسة نحو النساء .. وشاهدة عيون الأطفال على ما يقترفون من نهب .. ومن سلب .. في فاضحة النهار ... كالسلاجقة هدموا .. وردموا نهبوا .. وصلبوا .. وكالتتار نشروا الدمار ، وفرضوا الحصار ... أسود علينا ، ونهود عند الأعداء .. شوهوا عفة الأجداد وزينوا قبح قياده .. طرزوا المدنسات بوهم مقدسات وزيفوا السياده .. فأمسى الخوف ، وأضحى الصمت ، وأصبح القتل ، ركنا من أركان العباده ... لإيفني قوافل هبت تشهد بشاعة الجريمه .. وتشهد التاريخ أن الرصاص لا يلحق ـ أبدا ـ بالشعب الهزيمه .. بل يزيدها ، ضد النفي ، ضد الإقصاء ،
لم يحتف بي كعادته هذا المساء ...
فالمكتبة لم تنشر كتبها على الرصيف .. وبائع النقانق قبالة نافذتي غادر المكان الذي قبل قليل .. غيروا رائحته ، وألوانه : السيارات ، الدراجات ، كما المارة منعت من تحيتي .. غيرت طريقها المعتاد ..
وجوه مومسات عروبيات اختفت كانت تحوم حول المطاعم كذباب .. سلبوا أشياءهن وعشر بذلات متشابهة أو تزيد كثيرا تجري
وحدها سيارات إسعاف في غير اتجاه
الشارع الذي يسكنني لا يعرفني كأنه الآن خبز محشو بالعصا والعساكر والخوذات
صار ثكنة صار مجزرة مراكش 2008
كيف أعانقها وقد خانت صمتها .. ؟ وأنا أريدها فضيحة أستلذ سفور معناها وفجور مغناها أحط كما النحل على سفينها المخمور حد الرثاء ... بحري لا تستوي موجاته ارتباكا وشطآني تهرب كلما رست على ضفاف يقيني تستر عوراتها المحكومة بالوأد يقول خوفي عليها : " تعري في وجه الأدعياء واشربي فرح بسطاء يتهادى في كؤوس غياب وسأرضى بك مجازا لهزائمي الجميلة ... " ما الذي شدني إلى انزياح الرؤى في خطوها .. ؟ أسأل أسفي الأبهى .. هي شمسي عند كل غروب خجلى أرقبها كي أبلل أرق النهار في جسد روحي على سرير ضحكتها ... ما الذي يشدني إلى جموح صمت في عينيها الغريرتين وتواريخ رفض تتعسل في دفاتر بسمتها ؟ ... هي وجه يعيدني إلي كلما فرت نظراتي خارج بلوى القصيد .. هي وجه مد جناحيه مراكب كي أجمع حيرتي فيها ... فما الذي يشدها الآن إلي ؟ ... يونيو 2008
مسودات الاختلاف في زمن المطابقة ...
أحمد بلحاج آية وارهام
1 ـ نقطة أسفل الألف : سأفتح الذاكرة المطلسمة ، وأحلم بسوادي في بياض كالموت شرس ، وأضع تحت الألف ( المختزنة والمختزلة لبداوة الحيف والحذف والهيمنة ) نقطة الزلزلة ، كي أرى الوجود قبل كلمة الموجد . ففي السواد أرى ما لا يتمرأى السواد المتألق المنير ؛ فيه أرى إلى الشعر بما هو تأسيس للكينونة ، وعمق أنطولوجي ، ينتج معرفته الخاصة والقاطعة مع المعارف المتماوجة على أوقيانوس الوجود .. معرفة دافئة في قارة معارف جليدية . 2 ـ مسودات تمتهن الاختلاف :
في الكون كما في ميتافيزيقا العقل والإدراك واللغة تتصارع ذاكرتان شعريتان : أ ـ شعرية المطابقة ، وجوهرها الاستعارة ، وسماتها العبور بصريا على الظاهرات الواقعية والكونية بلغة المهادنة والانسجام ، والتشابه والتآلف ، والتواطؤ والتطابق . ب ـ شعرية الاختلاف ، وجوهرها الرمز ، وسماتها إدراك العلاقات بين الظواهر والأشياء إدراكا يكون الرمز فيه (( حالة لغوية تتصف بها اللغة الشعرية حين يتجاوز الإدراك المعرفي رؤية العين والعقل إلى رؤيا النفس التي تسعى إلى اختراق الأشياء في العالم بإدراك أسطوري ، فهي تعطي معنى للأشياء وللكائن يتجاوز الظاهر والمنظور والموصوف )) ، بحيث لاتتم الإحالة فيها على واقع ما ، سواء أكان لغويا أم نفسيا أم اجتماعيا أم سياسيا ، وإنما تكون الإحالة فيها ذاتيا أولا وبنائية شمولية ثانيا . إن هذه السمات التي تمتاز بها شعرية الاختلاف ضدا على شعرية المطابقة هي التي تسبح في مياهها مسودات الشاعر عبد العاطي جميل . 3 ـ مسودات لا تحيل إلا على نفسها : فأغلب قصائدها هي قصائد نفس مركز ، وقصائد النفس المركز لا تكون إلا مكتفية بذاتها ، ومنفتحة على نفسها ، لا تقرأ الواقع بعين مظهرانية ( فينومينولوجية ) ، ولا تسرد مفرداته وكائناته وحالاته بآلية البصر ، وإنما تعيد تركيب تحولاته المستمرة بشغب البصيرة ، ولهب الحدس ، وقلق الوجدان المعافى . فذاتيتها النصية هي ماهيتها الوجودية ، وماء سؤالها هو كينونتها ، ومن ثمة فلا مرجعية لها في غير جوهرها ، وعبثا إذن نحاول حين نحلم بالقبض على أية جرثومة ( = أصل ) تناصية فيها . وليس معنى هذا كله أنها تمارس خيانة الصمت وصمت الخيانة مع القارىء ، وعشق الكلام مع ذاتها . فالمسودات تكشف وتفضح ، وتتناغم مع الكون بالعكس مما هو عليه ، وترثي الكائنات التي تمتهن البكاء تحت تحت سقف الذل الكوني ، فلنر إليها كيف تقرأ الوطن ، وكيف ترصد تشكله في دخيلة الشاعر مازجة بين الوجد والشجن : كم أخفي عن عيونكم وطني هذا الذي يتشكل نبضة .. نبضة في دواخلي لكن عيوني تكشفه وسطوري تفضحه ...
علي أن أرثي هذه الكائنات التي لا تجيد إلا البكاء . ( ص 17 ) ولنر إليها ثانية وهي تتقرى ملامح الماء الذي يزور الشاعر كل ليلة بهيئة طائر البشرى : يجيئني الماء كل ليلة فينقر حلمي الخصيب أفتح ... وأوصد خلفه نوافذ الحروف كي لا يمسها عسس وكي لا تبوح عيون الليل للغد أن الماء يجيئني كل ليلة فأحمل شمعداني لأضيء أحلام البسطاء . ( ص 16 ) إنها مسودات تفصل بسكين البراءة الشعرية بين قصيدة في حانة تكرس اليتم الوجودي والقهر الكوني ، وبين قصيدة في زنزانة تبعث غيثا ، وتوشي لحنا ، وتصير طيرا : ليس شاعرا من يكتب قصيدة سكرى في حانه ... لكنه شاعر من يكتبها طيرا في زنزانة يبعثها غيثا تروي أوطانه ينشرها وردا توشي ألحانه . ( ص 18 ) 4 ـ بناء الصورة في المسودات :
ليست الصورة الشعرية لدى الشاعر عبد العاطي جميل من قبيل الصور التي تبنى على التشابه والتطابق والتواؤم ، بل هي صورة بقدر ما تتكيف مع مكونات البلاغة ووجوهها المتداولة ( تشبيه ، استعارة ، مجاز ، طباق ن ترديد ) بقدر ما تختلف معها ، وتمحو كل أثر للعناصر البلاغية في صيغها المفردة ، وسلاليمها الدلالية ، آفاقها المحدودة بالسياق النصي ، والمعيار العقلي . إنها صورة / صور تقيم عناصر بلاغية جديدة ؛ جذورها في رؤيا الشاعر وعالمه النصي ككل ، وبهذا تكون مجانفة للعالم البلاغي ذي السياقات والمعايير الجاهزة لاحتجاز الظواهر المتلعلعة على سطح الوجود . 5 ـ مسودات لغتها الانزياح الأبهى :
ففي مراوغة اللغة ومكرها ، وبهما معا ، تنسج هذه المسودات بساطتها ، وفي أتون الانزياحات تتشكل شباكها الدلالية ، وخلف غابات المحلوم به تتناسل سراديبها . وكما أن الحلم لا يتشابه بين فردين لغة وتشكلا واندفاقا ، فكذلك قصائد الشاعر جميل ، فهي بصمة روحه التي لا تتماهى مع بصمات الشعراء . 6 ـ مسودات تلج حدس الوجود : إن مسودات هذا الشاعر تلج حدس الوجود بما هو أعمق من كل برهان تركيبي أو تحليلي على إثبات الكينونة . فهي شعر ينقل الوجود من عتمته وعتبته الخاصة إلى عمق كل ذات . وإذا كان العلم لا يحتاج إلى غير نظرياته كي يعقل العالم ويعتقله ، فإن الشعر لا يحتاج إلا إلى شعريته ( = فنيته ) لكي يفك أسر العالم ويعيد إليه حريته . فالعلم يعيد إنتاج العالم كمعرفة ، كشيء منسجن في شيئيته ، والشعر يؤنسه ويدخله في حضور ما مضيء ولا متناه ، يقتحم ما وراء التسمية ولا يقف على عتبة الاسم ، فمثلا التفاحة في العلم تبقى حبيسة قانونها العلمي ... لكنها في الشعر تختلف بأحوالها اللامحدودة عبر التناول الإنساني جوانيا وبرانيا . فالمعرفة غير الشعرية تمنحنا تحديدا العالم اللامحدود عيانيا وحياتيا ، وتتعاطى معه بطريقتها الخاصة . وهذه الصلة باللامتعين هي التي تمنح شعر الشاعر عبد العاطي جميل حرية المضاربة على الوقائع عينها بما يتعدى الوقائع إلى شبه مقترحات تعرض عن الحقيقة ، وتنادي على اسم الحقيقة . فهو شعر يمثل حالة وجودانية تصل القارىء بفعل الكون ، وتجعله يفوز للحظة بحافة ما من الكينونة .. إنها حافة الحرية التي تخرجه من الغربة إلى الألفة . 7 ـ أرق سعره أقنوم الثنائيات : غير أن ما يؤرقني في بعض قصائد جميل هو تفسير الكون بأقنوم الثنائيات الذي تجاوزته الفلسفة المعاصرة بآماد ضوئية ، فمعيار التضاد معيار مانوي ، يحجب ولا يكشف ، يوهم بالإضاءة وهو في أقصى ذروة التعتيم . والشعر حين تسجنه ثنائيات واعية أو لاواعية يكون قد سار في خط أحادي و مستقيم ( لا نقصد بالاستقامة هنا معناها الأخلاقي والديني والهندسي ) كالمسرنم أو كاليقظ بصرا والهاجع بصائريا ، لا شهوة له ولا غواية ، ومن الغواية جاء الشعر لا من الطهرانية . إن الشعر ـ ولا نعني ب ( أل ) هنا ( أل ) العهدية أو التذكرية أو التعريفية أو الاستغراقية ، بل نعني ( أل ) الحلمية ـ في جوهره حلم ذو يقظة شعرية وحركة تستغرق مختلف أشكال الخط الهندسي ، ومختلف تلوينات اللغة . فحين تندفع الثنائية في جسد القصيدة ، فإن الحلم يذوب ، وتطفو لغة وازنة على سطحها ، هي لغة المقايسة ، وسأكتفي بنموذج واحد هو ( مسودة الشراب ) التي تقول : جسدي روح وروحي جسد في آنيه .. فلتكوني ساقيه .. تشربني تشربني قطرة قطرة في ثانيه ( ص 23 ) فثنائية الجسد والروح في هذا النص صارخة ، رغم قناعها المطمئن لصوفيته . فنفسها يحيل على أصداء من أنفاس الحلاج ، ونفس القائل : جسدي روحي وروحي جسد نحن سران مشينا خببا قد شربنا من يد واحدة واختلفنا حين ذبنا طربا تارة تبصر جسمي ولدا وسويعات ترى الروح أبا أيها الواقف في نقطته أنت بالضدين قست السببا وهم من عين أمري انطلقا صوب كنهي يطويان الحجبا 8 ـ نقطة لا نقطة بعدها : هل أقول مع جان كوهن (( إن الشعر علم وموضوعه الشعر )) ؟ أو أقول : في الغياب يدخل كل ما أسس ، ولا يبقى ساريا في فضاء الكينونة إلا ما يؤسسه الشعر ؟ . هوامش : ـ مسودات شعرية للشاعر عبد العاطي جميل ، صادرة عن ( كراريس تيزي للتداول الشعري ) بمراكش في شتنبر 1998 م . وهي مجموعة شعرية تضم عشر مسودات . ـ وقد قدمت هذه الورقة ـ مع أوراق أخرى وشهادات ـ في الحفل الثقافي / الفني الذي أقيم بمندوبية وزارة الشؤون الثقافية ( = رياض الثقافة ) بمراكش يوم الجمعة 11 دجنبر 1998 احتفاء بتوقيع هذا الإصدار .
من يصدق أن عشا آخر آويه كلما النوم نأى الوسادة سهت اللغة التوت الجسد باح والروح فاحت ، أحمل ما بقي من مجاز أركبه إلى شط الميلاد أرقب شمس غروب شروق ليل من يصدق أن عشا آخر لا يساوم فرحي يدللني حد الشبع يربي غضبي على إيقاع القصيد حين لا يسعفني النخيل أراه في كل الممرات الورقات التي أقرأها من يصدق أن عشا آخر عن ذكريات ولت يذود يمطرني عشقا من حزن يصون خوفي عن وطن يحتفي بحتفي ويؤجل حبري من سيصدق أن عشا آخر يسري بي يحمي وحيي ويؤمن بي فأجاريه فهل أصدق أن عشا يؤاخيني يشبهني سيأوي إلي ؟ ... يونيو 2008
في البدء كان السواد ..
وقالوا : إن السواد هو سلطان الألوان . في المآتم يرتدون السواد .. وفي الأعراس أيضا يرتدون السواد ..قل إنه قمة الشياكة . انظر المخمليين في سهراتهم . لاشيء غير السموكينك . هل سمعت باسموكينك أبيض ؟ .. والعباسيون الذين بلغوا ـ وأبلغوا ـ القمة . كان شعارهم السواد . وحين هجا المتنبي كافورا بالسواد ، نسي " البليد " بأنه سبق أن مدح الرجل بذات اللون ..فهو اللون الأول والأخير والظاهر والباطن . أول ما يألفه الإنسان وهو في ظلمة الرحم. وآخر ما يرتاح فيه يوم يودع لحده . والمرء يحتج على خروجه .. على إخراجه من سواده الأول .بصرخته الأزلية . ولا يجد نفسه و " يسمع لعظامه " إلا حين يوارى في السواد الآخر ... الأخير . قبره المجيد .. فقط في السوادين كان سيدا .. وفيما بينهما بات عبدا . استعبدته الحياة الدنيا . ولم يشعر لحظة خلالها ـ وهو خارج السواد ـ أنه قد كان سيد نفسه مرة . (( عندما نموت نصير أسيادا للعالم . وحين نكون أحياء نكون عبيدا .. )) .. تلك أول حقيقة صدح بها الحوار الجميل الذي أجري مع شاعرنا عبد العاطي جميل في مستهل العدد الثاني من كراريس تيزي الواعدة . وبذات المعنى صدع أكثر من صوت : قلت : ياليتني مت قبل هذا مت فكانت ريحها ريحي فرحت أبغي سوادي الذي أضعت .. ( مسودة الضياع ) . إن حوار تيزي يمتلك أكثر من مفتاح للغور في المسودات . ولعل أكثر الأسئلة / الأجوبة التي استفزتني قارئا كانت عن الوضع الوظيفي للشعر. وكان التأكيد ـ في الجواب ـ على الدور الوظيفي للشعر . أنا شخصيا لست مع هذا التأكيد .. ولكي أقبل الحجة الذكية ، لأنها منطقية . ما لست معه هو التشبث بمقولة أن الشعر للمعنى . أنا لست ضد المقولة بالكامل ولكن الذي أرى ألا يقيم الشعر هلى هذا التأسيس ، أو قل ألا يكون هذا المعيار أساسيا أو هو الدرجة الأولى .. إني أرى الشعر هو " كيف " وليس " ماذا " . الشعر عندي هو كيف نقول ، أكثر مما هو ماذا نقول . لا يتفوق شاعر على شاعر إلا بالكيفية التي يقول بها وليس بما يقول. انظر مثلا .. هل تحدث نزار قباني عن غير ما تحدث عنه ابن أبي ربيعة ، أو هل تحدث هذا غير ما سبق إليه امرؤ القيس .. ؟ .. إنه ذات الهم ، ولكن الفارق ـ ولا أقول التفوق ـ هو كيفية القول . إننا لا نلتمس الفائدة في الشعر وإنما نلتمس الجمالية . ابحث عن العلم عند الخوارزمي وابن رشد وكاليلي .. وليس عند أبي تمام وكافكا ونزار . الفائدة العلمية اطلبها في الكتب الفلسفية والرياضية وليس في الدواوين . هذا عن الشطر الأول . أما عن الثاني ، وهوما أوافقك عليه ـ يا صديقي الجميل ـ وأقصد الحجة ، فإني أقول ما قلت : .. " وبيئتي المغربية والعربية لازالت في حاجة إلى المعنى .. " الحوار . أنا معك في هذا . وقد ذكرني بمقالة كنت كتبتها قبل سنوات .. وبالضبط سنة 1981 يوم كنت بمركز القنيطرة التربوي الجهوي ونشرته بمجلتها قلت فيه بالحرف : " دعونا نجاري ـ جدلا ـ الذين يقولون بأن مجتمعنا غامض . وقد قالوه . فهل هذه ذريعة لأن يكتب عنه أو له بالغموض ؟ .. مجتمعنا يشكو من التخلف الشتى مظاهره حتى الأذنين . فهل تحل مشاكله بالطلاسم والرموز والهروغليفيات ؟ ( ...) . ومعنى هذا أننا نسعى لحل مشكلة بمشكلة .. وهذا لعمري هو السقوط الكبير " . ( مجلة الساحة . م.ت.ج. للقنيطرة .) واضح من هذا الكلام أني كنت في مواجهة أهل الغموض في الكتابة والمتبنين له رافعا شعار الوضوح . وكانت لي ذات المرجعية التي وردت في حوارك . البيئة . المجتمع . فهي إذن تبررات مرحلية .. قد لا تعود قائمة بعد فترة قد تقصر أو تطول . المرجعية إذن واحدة ، لكن الموقف فيه اختلاف . فأنا أنادي بالوضوح كمبدإ وسلوك ومذهب أدبي / فني . ولذلك تراني أكتب حين أكتب ـ على مستوى الإبداع ـ متوخيا الوضوح .. ولا تستميلني إلا الكتابات الواضحة الأسلوب مبنى ومعنى ، في حين أستنكف من المكتوب الغامض . ولعلي في حاجة إلى توضيح موقفي من حكاية الغموض رفعا لسوء فهم . ولن أجد أفضل من ذات المقالة أعود إليها لأنقل لك ـ أخي جميل ـ مفهومي الذي دافعت عنه وأجافع عنه . قلت فيما قلت : (( إن الشعر يا ناس ـ والآداب والفنون عموما ـ لا يرتفع إلا حين ينزل إلى الشارع .. لأن الشارع هو مكانه الطبيعي وليس السموات .. مقولتي استمددتها من واقعي الذي لا يعبر عنه إلا التعبير الواضح الصريح ، ومن يقول بالعكس فهو كمن يمشي على يديه .. من هذا المنظور الأخير ..على المتبني للغموض أن يواري إنتاجه السرداب ولينتظر كودو .. ربما تواصل معه إن شاء الله .. ألست ترى معي أن من المنطق السليم أن ينزل الأجيب الحق والفنان الحق عند الناس بكل وضوح . ويعبر عنهم بكل وضوح حتى يتبينوا طريقهم الواضحة بلا عقد ولا يحزنون .. وعند ذلك ـ بعد أن يتم التفاعل المطلوب ـ له أن يحلق معهم في ألف ضرب وضرب من ضروب الآداب والفنون والحياة محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون . أما الذين يحترفون الغموض في كتابتهم فهم في الحقيقة لا يكتبون ، وإنما يتوهمون أنهم يفعلون . ويبقى أن نقول عنهم إنهم هم الغامضون بمعنى أن الأفكار عندهم غير واضحة ، والرؤى لديهم عليها غشاوة ومن تم قالوا وكتبوا كلاما يصورهم ويصور طريقة تفكيرهم ...
إن العمل الإبداعي الذي لا يكون في حوار لصيق بالمعذبين لا يستأهل أن ينعت بأنه إبداعي .. بل هو بدعي .. ثم إني حين أنادي بالوضوح فليس معنى ذلك السقوط باللغة إلى مستوى الابتذال والإسفاف والركاكة والهلهلة . ولست أعني بالشارع ما تعنيه وزارة الأشغال العمومية .. إني لا أعني به إلا ذلك النزول الشامخ . بكل جمالياته وسمو مبناه ومعناه وبدون مجانية أو فجاجة .. )) ولعل هذا ما جاء التعبير عنه في مكان آخر من حوار تيزي وبقوة عندما قلت : " صفة المسودة مأخوذة من سواد الواقع . " هذا ارتباط بالمحيط .وهو المطلوب. قلت أيضا " بأن المسودات عبارة عن حالات " وأروع هذه الحالات هي حالة الارتباط بالآن . مسوداتك يا جميل أو بالأحرى تعريفك لتلك المسودات يترجم شيئا واحدا هو التواضع . ومن تواضع للشعر رفعه . ولا يكون التواضع ـ كما سبقت الإشارة ـ إلا بالنزول عند البسطاء والأخذ بيدهم على الرصيف : سأحمل شمعداني لأضيء أحلام البسطاء .. ( مسودة الماء ) . لا إنه الانسجام والتناغم والانصهار مع الآخر في أجلى مظاهر ذلك : ولكي أتناغم والكون علي أن أرثي هذي الكائنات التي لا تجيد إلا البكاء .. ( مسودة الوطن ) . وأعمق من هذا وذاك التوحد مع الآخر توحدا صوفيا : قلت لما رأيتني وجها يتسكع في الطرقات تكنسني العيون الغريبات . ( مسودة التسكع ) . ومن تم استنكار الوعي القائم .. في هدوء . الهدوء الذي يسبق العاصفة : كل الوجوه التي تمر كل المرائي وكل العدسات كل الحروف التي نقرأها لم تشبه أحدنا .. ( مسودة الزيف ) . وأخيرا يبقى الأمل سيد السادات ( وقالت نملة .. وقالة نحلة .. ) .. إبحار في مسودات يخرج منه المستحم منتشيا وبه رغبة للإبحار من جديد وكلما عاوده استلذ .. ( يتبع )
أن يختار شاعران كتابة نص واحد ، يعني فيما يعنيه أن وشائج القرب الشعرية والجمالية وكثلة الأحاسيس هي أكثر اشتراكا ، ولا يهم أن كان التنافر .وعليه فإن الشاعرين محمد بلمو وعبد العاطي جميل اختارا أن يسبحا في نهر واحد أرفداه كل من جهته بحمولة شعرية انتظرت طويلا لتنشحد أول اشتراك نافذتين عن الحب: نافذة بلمو السلب حيث الهوى والهوان يتآصران شعريا من أجل هذه الحكمة : لا إله إلا المحبة .. والنافذة الثانية تذخل في بحبوحة الحب : الحب هو الخلاص ، هو النجاة ، به تنضج الينابيع في شقوق الوطن الباهية .. عمل السلب لبلمو والبحبوحة لجميل . هل أمسكنا بالخيط الذي نقيس به درجات التنافر لنقول ، هذا بلمو وذاك جميل ؟ .. صعب للغاية ، صعب أن تميز في هذا العقد بين هذا العقيق وتلك الحلقات .. والأساسي أن الديوان ينضج بالصور التي يلهبها تارة شعور بالمقاومة وتارة شعور بالحزن .. كيف أرسم حديقة وأنا لم أر زهرة في هذا الوطن ولا قبرة ؟ .. تارة شعور بالحب وتارة شعور بالفقر ، تارة شعور بالرعب والحصار ، ومن حرب إلى حرب لا تستكفي من الهزائم ، وتارة تفضح لصوص القناديل لكي لا يخيم الظلام : لماذا سرقتم منا قصص جحا والخبز والكتب والحليب وتوت الأرض واللعب ؟ وتلك لا تعد وأن تكون غير أسئلة صغيرة توجه للذين : ... حولوك خيلا في الغرب وفي الشرق سلاح القدس الوحيد ... من قصيدة لأخرى ، ومن صورة لأخرى يحاول الشاعران التوحد في الشعور والمشاعر ولولا أن التذييل النهائي بين توقيع القصائد والمسودات ، لكان هذا الديوان بحق تجربة مغربية جديدة في العمل الثنائي ، لن تسرق الأضواء ، لكن على الأقل ستحث تكلف الفضول لتحيل جنيوم النسب .. لولا ذلك لكانت هذه القصائد قذ قتلت الأبوة والأصل والوحدة .. ويكون بالفعل عبد الجليل الأزدي محقا عندما وقف عند هذا الانتصار لممارسة التعدد حيث تترامى أمداء بحار الشعر .. حماقات السلمون ديوان من ضفتين : ضفة قصائد محمد بلمو ( حماقة ، أسئلة صغيرة ، بلا معنى ، الأبرياء ، بيانات الحزن والفرح ، لم يمهلني كي أراك ، وداع إلى السيد شوينكم ، نص الأفعال ، جواب ، موعد محجوز ، إلى العزيز سيزيف ، شيق كالحجنة ، رعد الهشاشة ، حريك مضاد ) .. في الضفة الأخرى رسوبيات عبد العاطي جميل المشكلة من المسودات التالية ( ديوان أقفر ، سلمون ، مركب خيبة ، أرق أرض ، مسودات ، لم تمت ، رايات ، خبز ظن ، طريق ، زهرون ، نزارية لجوء ، فانوس البهاء ، بخجل ألقاك ، تلك أمنيتي ) ..الديوان من الحجم الصغير صادر عن المطبعة والوراقة الوطنية في يوليوز 2007 ، وزينت لوحتا عبد العاطي جميل وجه الغلاف وظهره .. أبو ضياء
قدماي النحيلة تتبعها كالظل المنفوث في ربع قلبي .. كيف أصد رحيلي إليها ، وقد سحرت خطوي عضت ممشاي إليها .. ؟ أسرت بي عطشا نصبت خيمة للسؤال .. أسرت لغتي في عينيها كيف أرقى إليها عصفورا .. ؟ هل أجيب مواويل رغبتها .. ، وهي قد شطرت قمري نقلت برجها تتهجى مواعيد لقيانا ... يونيو 2008
أجرى الحوار لصالح مجلة الوفاق العربي؛ ذ.عبد معروف: لبنان *الشعراء إذا دخلوا قرية أصلحوها وإذا دخلوا حانة أو وزارة أفسدتهم… *المسودة الشعرية مشروع مفتوح ضد النهائي والمطلق والمكتمل، يلازمه الوعي بالنقصان… *تأثرت بالنصوص الشعرية لا بشخصيات الشعراء… *بعض المبدعين المغاربة أكثر فلسطينية و عراقية من الفلسطينيين و العراقيين أنفسهم… *المفروض في الشاعر أن يظل خارج الجوقة حرا، يلازمه قلق البحث المستمر عن الجمال والكمال… …*كل إبداع لا يخدم المجتمع لا خير فيه.. *الضربة التي لا تقتل تقوي.. *دور الشاعر تاريخي ومجتمعي، وهو الدعوة إلى قيم العدالة الاجتماعية والحرية والجمال بعيدا عن الازدواجية السائدة.. *الشاعر الذي يلقي القبض على ذاته فان لا محالة.. *فضاؤنا الثقافي العام ينخرط في سياسات التطبيع والتجويع والتضبيع والتسليع… *لا يمكن للتغيير أن يتحقق دون حل أزمة القيم الأخلاقية… *المجتمع المدني يظل حلما غريبا في مجتمعات لا يوجد فيها الفرد المدني… *المجتمع العربي و الإسلامي يعيش أزمة إرهاب الدولة… س- من هو الشاعر عبد العاطي جميل ؟ ج- الحديث عن الذات أمر صعب ومحرج، ولأجيب بإيجاز، سأعتمد بعض ما جاء في كتاب أفروديت العدد الخاص عن مسوداتي الشعرية …عبد العاطي جميل شاعر مغربي، من مواليد مدينة الرباط عام 1958، متزوج وأب لطفل واحد أصيل، وهو أستاذ اللغة العربية بالثانوي التأهيلي بمدينة مراكش، وعضو بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان - فرع مراكش، ومشارك في مختلف الأنشطة التربوية والحقوقية والثقافية، ينشر مسوداته الشعرية ومقالاته في مختلف الجرائد والمجلات الوطنية والعربية ومنها: الطريق، المنظمة، المبادرة الاشتراكية، بيان اليوم، المنعطف الثقافي، أخبار الادب، القدس العربي … - صدر له ديوان المختلف بجريدة المنعطف.. - ومجموعة مسودات ضمن العدد الثاني من كراريس تيزي للتداول الشعري.. - يصدر له قريبا ديوان شعر مشترك مع الشاعر المغربي محمد بلمو بعنوان: حماقات السلمون. - يصدر له مسودات الفراش والخشاش والسلمون
س- لماذا مسودات شعرية، وليست قصائد شعرية ؟ ج- سؤال طرح علي كثيرا في اللقاءات الشعرية المفتوحة داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، وسأختصر الإجابة معتمدا كذلك على ما كتبته في كتاب أفروديت السالف الذكر: “المسودة هي ذلك المنعطف المكثف في الكتابة الشعرية، وهي ذلك المشروع المفتوح ضد النهائي و المطلق والمكتمل، ويشكل محطة أساسية في انتقال الكتابة من مرحلة المحاكاة أو ترديد أصوات شعرية غيرية وتسربها إلى مرحلة التفرد والتميز والبحث عن الصوت الذاتي من حيث التصور الرؤيوي ومن حيث الإنجاز النصي… والمسودة كمفهوم بدأ يتشكل لدي تدريجيا مع بداية التسعينيات، حين أعلنت في قراري قتل الأصوات الشعرية التي أحبها، وتطهير مخيلتي من الصور والعبارات المخبوءة في ذاكرتي الشعرية…”، وقد أعلنت عن مشروع المسودة قي حوار شيق مع المنشور الشعري كراريس تيزي للتداول الشعري في عدده الثاني، وقد أنجز الحوار الشاعر نور الدين بن خديجة والناقد والباحث عبد الصمد الكباص، حيث خصص العدد الثاني لمجموعتي الشعرية الموسومة بمسودات. ومع تجربة المسودة تتساوق كتابة الشذرة الشعرية، وهي كتابة في رأيي عميقة وعصية على القبض وهي تشتغل على التيمات كالعين، الليل، الماء، الشعر..، لكن في بنية مكثفة وموجزة بعيدة عن الإطناب والاستطراد. ص 73 و74 من كتاب أفروديت، العدد الأول، ماي 2001 س- من هم الشعراء الذين أثروا في كتاباتك الشعرية؟ ج- في مرحلة البداية أو المحاكاة الممتدة من سنة 1978 إلى 1996 قد يكون التأثر جليا، لكن ليس بشعراء معينين بل بنصوص متنوعة: نثرية وشعرية وطنية وغير وطنية، ومادام الأمر يتعلق بالشعر، يمكنني أن اذكر بعض الأسماء التي تحضرني الساعة، قديمها وحديثها: تأبط شرا، الشنفرى، زهير بن أبي سلمى، طرفة بن العبد، أبو نواس، أبو العلاء المعري، الإمام الشافعي، الحلاج، النفري، جميل بن معمر، ابن عربي، ومن المحدثين بالمغرب، يمكنني أن أذكر: محمد الحبيب الفرقاني، عبد الكريم الطبال، أحمد المجاطي، أحمد الجوماري، عبد اللطيف اللعبي، محمد بنطلحة، أحمد بلبداوي، عبد الله زريقة، عبد الله راجع…، ومن خارج المغرب أذكر: نزار قباني، أحمد عبد المعطي حجازي، أبا القاسم الشابي، جبران خليل جبران، عبد الوهاب البياتي، توفيق زياد، سميح القاسم، معين بسيسو، البردوني، أحمد أولاد الصغير، نجيب سرور، منصف المزغني، وأدونيس ومحمود درويش س- كيف يعيش الشاعر المغربي هموم وطنه وقضايا أمته؟ ج- المبدع المغربي أكان شاعرا أو رساما أو مسرحيا..، يحيا كما يحيا المبدعون من المحيط إلى الخليج في وضعية صعبة غير ملائمة، ماديا ومعنويا، لكن يجب التمييز بين المبدعين الذين تكرسهم الدولة وأحزابها وأجهزتها السمعية والمرئية وغير المرئية واختاروا تكريس الواقع الرديء والمساهمة في تلميعه وتبريره في مختلف المحافل المسخرة لهم، فحملوا لواء الدفاع والتصدي لكل من يخالف هذا التوجه بالإقصاء والإبعاد. والمبدع المغربي عرف انشطارا مريعا بعد ما اصطلح عليه خطأ بحكومة “التناوب” التي جرت وابلا من المبدعين إلى أجهزة الدولة فعاتوا مرحا فيها، وفي المقابل ثمة مبدعون قليلون طبعا ظلوا متمسكين بقيم التغيير والنزاهة والمواجهة أيضا دونما مصالحة أو مداراة. وقبل الحديث عن هموم الوطن وقضايا الأمة، لابد من الحديث عن الهموم الذاتية التي هي جزء من هموم الوطن، فالمبدع الذي يحيا ظروفا عصيبة كمن لا يجد في جيبه ثمن قهوة يفتقد مناعة المواجهة والإصرار و التحدي، لذلك نرى العديد من المبدعين انتقلوا إلى الضفة الأخرى، فتم إغراؤهم واستقطابهم ويمكننا أن نصنف المبدعين عامة إلى ثلاثة أنماط: مبدعو التكريس ومبدعو الإصلاح ومبدعو التغيير، وهذا التصنيف له دلالته الخاصة وإن كان يبدو غير فني فهو فكري إيديولوجي، وأعتز بهذا التصنيف فكل إبداع لا يخدم المجتمع فلا خير فيه أما تجليات هموم الوطن وقضايا الأمة في الشعر المغربي، فالملاحظ أن ثمة تراجعا ملحوظا فيما ينشر من قصائد ودواوين، فأغلب الشعراء يفرون من تناول القضايا الوطنية والقومية باعتبارها قضايا متجاوزة ومرتبطة بمرحلة سابقة، وكل من تناول هذه القضايا يتهم بالتحجر والتخشب والتطرف، تحت ذريعة العديد من المفاهيم المستهلكة والمروج لها إعلاميا وتبدو لنا أوهاما كالحداثة والديمقراطية والتجريب والتنمية والانتقال والمصالحة والشراكة وهلم جرا وركلا وخبطا… ورغم ما يمكن أن يقال عن وضعية الشعراء الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، سيظل الشعر في المغرب متألقا وغنيا بتعدد تجاربه ولغاته ورؤاه، فرغم أزمة النشر الخانقة الموضوعية والمفتعلة أيضا، فدعم الكتاب يظل خاضعا للعلاقات غير الإبداعية، وأعتقد أن الأزمة تظل سيفا ذا حدين إما للشعراء أو عليهم والضربة التي لا تقتل تقوي كما قيل س- ما هي الصورة التي يرسمها الشعر المغربي للواقع العربي ؟ ج- من العسير رصد صورة الواقع العربي بدقة في المنجز الشعري بالمغرب، فهذا مجهود يحتاج إلى دراسات نقدية، لكن متابعتنا وتتبعنا المتواضع يسمح بالقول كما أسلفت، إن الشعر في المغرب بدأ يبتعد جزئيا عن تناول القضايا الكبرى الداخلية والمحيطة لصالح الموضوعات الذاتية أو الموضوعات التافهة التي تحظى بالدعم والجوائز والتشجيع.. وإذا كانت التجارب واللغات متعددة ومتفاوتة، فزوايا النظر إلى نفس القضايا أو الموضوعات تبدو أحيانا متنوعة فثمة تجارب لشعراء يغلبون الرؤية الدينية للواقع وآخرين يغلبون الرؤية الجمالية، فيما يذهب آخرون إلى تغليب الرؤية الفكرية، وهنا لابد من الإشارة إلى أن في المغرب تجارب متميزة باللغة الأمازيغية تناولت القضايا الوطنية والعربية الإسلامية وإن كانت لها حساسية ما متفاوتة حول هيمنة البعد العربي القومي في طرح هذه القضايا. ودونما مبالغة، يمكنني القول إن بعض المبدعين المغاربة هم فلسطينيون وعراقيون أكثر من الفلسطينيين والعراقيين أنفسهم س- ما هي الرؤية التي يعبر عنها الشاعر في ظل الظروف العربية الراهنة ؟ في ظل هذه الظروف المتأزمة تختلف زوايا النظر لدى المبدعين عامة والشعراء خاصة، وتتعدد الرؤى، فمن الشعراء من يستفيد من الأزمة كما يستفيد تجار الحروب وسماسرة الأنظمة، ويمكننا أن ننعت هذه الرؤية بالانتهازية والوصولية المقيتة الباحثة، دوما على الامتيازات والألقاب والجوائز والسفريات دونما استحقاق أو مشروعية، ودونما حياء وثمة من الشعراء من يظل يقظا متربصا بالواقع ومنخرطا فيه، مصارعا قيم الرداءة التي تطول الفضاء الثقافي العام الذي ينخرط في سياسات التطبيع والتجويع والتركيع والتسليع والتبضيع والتضبيع… وهي سياسة ممنهجة عامة. ويظل الشاعر الشاعر مقاوما شاهرا صوته وحبره في وجوه المتواطئين الممثلين للمؤسسات القامعة للحريات ومتشبتا بقول الشاعر المهلهل التغلبي ولست بخالع درعي وسيفي إلى أن يخلع الليل النهار
س- ما هو دور الشاعر؟ وما هي المهام الملقاة على عاتقه أمام ما يجري؟ ج- أعتقد أن دور الشاعر لا يقل ولا يختلف عن دور أي مواطن يحيا هذي الماسي المذلة، لكن صفة الشاعرية تضفي على دوره مواجهة الواقع من منظور جمالي فني، أي بواسطة القصيدة الشعرية باعتبارها سلاحه التعبيري المتميز بلغة مختلفة عن لغة الحقوقي والسياسي التقريرية والمباشرة والإقناعية، فدور الشاعر دور مجتمعي وتاريخي يدعو إلى قيم العدالة والجمال والحرية والصدق، بعيدا عن الازدواجية السائدة وأعتقد أيضا أن دور الشاعر هو دور أخلاقي قبل أن يكون دورا آخر. إننا نعيش اليوم أزمة قيم أخلاقية في السياسة والاجتماع والثقافة والإبداع ولا يمكن للتغيير أن يتحقق دون حل أزمة القيم هذه س- هناك حديث عن أزمة للثقافة العربية، كيف تنظر إلى هذه الأزمة؟ وكيف تنعكس هذه الأزمة على الشعر؟ ج- بإيجاز شديد أقول: إن الأزمة هي أزمة بنيوية شاملة لكل مجالات الحياة، ولست متشائما حين أقول هذا الكلام، وهي أزمة سياسية بالدرجة الأولى، أزمة أنظمة تابعة لا تملك قرارات للتنمية والحرية والإبداع، لكنها تملك القرارات الرادعة والقامعة لطموحات الشعوب المنهوكة، وهذه الأزمة طالت حتى الجمعيات الثقافية والفنية غير الحزبية التي كنا نراهن عليها في تأسيس المجتمع المدني الذي يظل حلما غريبا في مجتمعات لا يوجد فيها الفرد المدني فبالأحرى المجتمع المدني. فكيف الحديث عن الوزارة المثقفة التي تسخر إمكاناتها للتوجهات الحزبية الضيقة ترعى وتدعم المشروعات: جمعيات، مجلات، مجاميع شعرية وقصصية، مهرجانات، كتب.. والمنخرطة في الدعاية والتبريرية، وكل شيء يعطى بالمقابل ودونما حساب. كيف لا يمكن الحديث عن أزمة ثقافية في مجتمعات عربية ميزانياتها المخصصة للبحوث العلمية لاتصل إلى واحد بالمائة، فيما تبذر ميزانياتها فيما لا يجدي المواطنين الذين يعتبرون رعايا أو رعاع. فكيف تصيب الأزمة الشعر؟ تصيبه من خلال كل المصادر الثقافية والإعلامية المسلطة على رقاب المتلقين، فالقنوات الفضائية المتعددة مثلا، تقوم بدور تخريبي لكل القيم الجمالية والفنية والإنسانية، لأنها تقدم برامج تركز على مخاطبة الغرائز الحيوانية وبث ثقافة الاستهلاك لبضائع المؤسسات المهيمنة المتحكمة، ومن هنا يتم تفريخ أشباه الممثلين والمغنيين وأشباه الشعراء والسياسيين وقس على ذلك..، حيث الخلاعة والميوعة أضحت العملة السائدة المخترقة لكل فئات المجتمع، حتى الأطفال منهم، فالرداءة بقدر ما تصيب باقي الأشكال التعبيرية، تصيب الشعر لغة وصورة وموضوعا، وتنعكس الأزمة على المقررات الدراسية التي تكرس النصوص غير الشعرية المنفرة المفروضة على الشبيبة في المراحل التعليمية الابتدائية والإعدادية وحتى الثانوية.. إن المجتمعات العربية تعيش أزمة إرهاب الدولة التي تفرض اختياراتها وتتظاهر بإشراك الهيئات السياسية أو توريطها في المشاركة في مؤسسات صورية، وتشغل مجموعة من المرتزقة تطلق عليهم اسم الفاعلين بدل المفعولين، فالمبدع في ظل هذه الشروط لا يملك حق الرد والاحتجاج، فكل رد فعل هو مساس إما بالمقدسات التي أضحت تتناسل يوما بعد يوم، أو هو عمل إرهابي حسب القوانين الإرهابية التي سنتها أمريكا على حلفائها المرهوبين، من هنا يتحول الشاعر إلى رقيب يمارس الرقابة على كل عبارة يتفوه بها أو يكتبها حتى لا يتهم، وكذلك الصحافي والإمام والحقوقي والفكاهي والسياسي.. فالمفروض في الشاعر أن يظل خارج الجوقة، دون أن ينعزل عن محيطه يحمل أناشيده وأحلامه الحرى التي يكتبها بإرادته هو دونما إملاءات أو تزكية من المؤسسات المشبوهة وعليه أن يظل حرا يلازمه الشعور بالنقصان لذلك، يلازمه قلق البحث المستمر عن مكامن الجمال والكمال والأمل والتغيير، ويظل غير راض لا يداري ولا يجاري ولا يصالح ولا يقاد بل يقود ولو حتفه إلى حلم آت، تكفيه عبارة أو صورة غير مسبوقة يبصم بها وجوده الحالم، فالشاعر كائن استثنائي لا يصالح حتى ذاته، لأنه يريدها منفلتة دوما نحو البهاء والحب والخير العميم، والشاعر الذي يلقي القبض على ذاته فان لا محالة مختارات من مسودات الشاعر عبد العاطي جميل تمهل … لنسأل علماء العروض عن بحر المعارضة البديل فليس بإمكانك الآن أن تقول لليث فمك أبخر في غابة تطرزها المباخر بخور في الشمال، بخور في الجنوب بخور في الشرق، بخور في الغروب
لا يؤرخ خراب الروح ..
من مسودة حبر يجري كنهر الفلاة
كيف يلتقط البوح زهر الرفض في أرض يبست في منابتها عروق الكلام ألجمت مقل الماء أن ترى ما جرى … في نسف الخصب زمن الربيع
من مسودة بسط المقام في رداءة المقام كيف إلى الفرات أفر
ونهر الأردن ينهر حلمي وأنا ملعون القصيد حين تركت يدها لحظة الدهشة لحلمي البعيد ستار بوجها أسدلت
.وقد كان حطب استعاراتي إليها
من مسودة شرك مجازها أوقفني كفهل أدلك على شعر
ينجيك من الخرف طهر استعاراتك بديوان الخمارة لكن لا تقربه حتى تخلع نعليك الأمارة فلست شاعرا يغويك الكلام فما لجرح بميت إيلام وأنت تنافح عن عش وقش فيغريك النظام
من مسودة حتى تتبع ملتهم
إلام تعانقني القصيدة على رمال الحلم فأغدو طليقا فأراني في وطن فصيح لا جند فيه لا قصر فيه لا صفيح من مسودة مضمخة بالخجل ألقاك قل ما يمليه عليك الليل من أبجد إلى حطام الحمى فلن يعترف الليل بأنك قتيله لكنه يستطيع أن يمنحك هدية لعيد ميلادك الأخير وبطاقة وطنية جديدة وقميصا قد من يسار ووساما مقنعا بإنذار كي تبدو وسيما في حفل الإعذار من مسودة تراتيل جرح من برج الهجو .أذكر الآن
كيف نمت لي على جسدي أعضاء جديدة تحاورك في المنام تحابيك في الأحلام ثلاثون خريفا يمر الآن وأنا أضيع بين النسيب و الذام من مسودة سماء أولى
وأرى طارقا يطرق خجلا من فتحه ومناضلا ينادل في بلاط وغفاريا يستغفر جلاده ودنقلا يصالح لا ناقة ولا جمل له وأنا أغلق نافذة أفتح عيني اليسرى فأرى جروحا أخرى من مسودة لا ضرع يشدني إليها
<<الصفحة الرئيسية








