مسودات
moswaddate
معلومات المدون:
الإسم : عبد العاطي جميل
البلد : المغرب
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
شاعر من المغرب

:: الشاعر يكشف بياض مسوداته حوار

***   المسودات ضد ما هو نهائي ومكتمل .. لأن كل ماهو مكتمل  ـ في نظري ـ ميت 
***  ما أكتبه يرتبط بالواقع المعيش  لأن مسوداتي ضد العدمية  ..
***   مع شعرية البساطة وشعرية الوضوح عوض شعرية الغموض فقط  ...
   ***  كل الضوابط والمعايير إكراهات مسبقة
***  مادام الإنسان موجودا  ، فلا يمكن للعولمة أن تقتل الشعر  ...
***   حين نكون أحيانا نكون عبيدا  .. وحين نموت نصير أسيادا  ...
 
  ..    أجرى الحوار المباشر مع الشاعر عبد العاطي جميل
 
الشاعر نور الدين بنخديجة  والناقد عبد الصمد الكباص  ..  في 01 ـ 08 ـ 1998
 
ـ  س   أود أن أسألك عن مسوداتك ، لديك إصرار بأن تسميها  " مسودات " ، وليس " قصائد ". مسوداتك هذه هل تسود بياض الوجود أم بياض العدم  ؟
ـ ج  في البداية ، شكرا للإخوة في التجربة الإبداعية  " كراريس تيزي  " على هذا الاهتمام بالتجارب الشعرية المغمورة أو المهمشة ، والعناية بها قصد تفعيل الساحة الثقافية المغربية والعربية .. لماذا مسودات وليس قصائد ؟ .. هناك قاسم مشترك بينهما ، لأن القصائد هي كتابة مع سبق الإصرار ، فهناك قصدية في الكتابة كما في المسودات ، ولكن المسودات هي أيضا عبارة عن حالات ، إنني لا أكتب إلا حين تستدعيني الكتابة إليها .. فهي حالات تجيئني ، كما عبرت عن ذلك في إحدى مسوداتي ... يجيئني الماء  / كل ليلة / فينقر حلمي / أفتح / وأوصد خلفه نوافذ الحروف  / كي لا يمسها عسس / ولا تبوح عيون الليل / للغد / أن الماء يجيئني / فأحمل  شمعداني / لأضيء أحلام البسطاء  ... فالمسودة  مصطلح بدأت معالمه تتضح ، ولا زال يتشكل كاتجاه ، وقد يكون له في المستقبل تصور مخالف عما هو سائد في الكتابة . والآن من الناحية النظرية أحاول أن أجمع شتاته لكي أشكل المفهوم في صورته اللانهائية ، لأن المسودات هي ضد كل ما هو نهائي ومكتمل ..وهي من الناحية  اللغوية تدل على السواد . غير أن دلالته تختلف من إنسان لآخر . فالبعض يرى فيه إحالة على التستر ،الاختفاء ،   والحنين ، والحب  ... والبعض يرى بإنه الخوف ،والرعب ،الظلم ، والقمع  ...وكل أشكال العسف ..فنفس الكلمة لها إحالات ودلالات متعددة ومتعارضة  .. والمسودات التي أكتبها تجمع شتات هذه الرؤى والتصورات حول الوجود . من هنا أحاول أن أؤثث بسوادي السواد السائد في المجتمع ، وأعيد تشكيله بلغة جمالية ، وأحيانا مستفزة وأقرب إلى اللغة المباشرة .. إنها تبقى سوادا غير مكتمل ، لأن كل ما هو مكتمل  ميت ..  فالقصيدة مثلا عندما تخرج في ديوان شعري تموت بالنسبة للشاعر ، لكنها تحيا بالنسبة للقارىء  الذي يمكن أن يربط معها ميثاقا جديدا  ...
 ـ س   يبدو أنك ترفض كل ما هو نهائي ومكتمل ، هل معنى ذلك أنك تعتبر قصائدك لا تكتمل أبدا باكتمال كتابتها  ؟ ..أم عملية الكتابة لا تنتهي أبدا  ؟ وهل هذا يتضمن رهانا على القارىء  ؟ ..
    ،  ـ ج   هما معا ، المسودة عند الكتابة لا تنتهي ، يبقى في نفسي شيء منها . فالمسودة غير مكتملة ، لماذا  ؟ لأنها لا تقول كل شيء ، ولا يمكن لها ذلك  .. قد أمارس عليها  نوعا من الرقابة الذاتية الإبداعية  لأخفف وأقلص من التوضيح والمباشرة ، وأحاول أن أكثف بعض المعاني .. من هنا تبقى ناقصة ، وأغلبها يبدأ بنقط الحذف وينتهي بها  . وهذا الجانب السيميائي المتمثل في  علامات الترقيم له وظيفة أساسية ، تجعل النص في انفتاح دائم ،قابل لإعادة النظر دوما كتابة وقراءة ، سواء بالنسبة للقارىء أو الشاعر نفسه . وربما أكتب مسودة بعنوان وأخرى مخالفة بعنوان مختلف ، ولكنهما في الحقيقة ليستا  إلا امتدادا  لتلك المسودة  المأمول كتابتها  .وفي اعتقادي الخاص أن كل ما يكتبه الشاعر من بدايته إلى نهايته ليس إلا مسودة واحدة  .. وما يكتبه هو امتداد للنصوص اللاحقة  التي ستجيء  فيما بعد  ..فالكتابة تبقى مفتوحة على الاحتمال والتعدد والاختلاف والاستمرارية . لذلك أراهن على القارىء والمستقبل وعلى الواقع المتغير والمتحول ، لأنه يفعل في الكتابة كما في القراءة  ،. وكثيرا ما يكون الواقع هو الحافز الذي يهيج دواخلي ويدفعني لكتابة المسودات  ... 
ـ  س  أشرت إلى أن المسودات عندك تبدأ بثلاث نقط للحذف وتنتهي بها . بالنسبة للنهاية ، الأمر قد يكون في اعتقادي واضحا ، ولكن بالنسبة للبداية ،  هل الدلالة السيميائية للابتداء بنقط الحذف تكمن في أنه لا توجد على الورقة أية بداية للنص ؟ أم أن بداية النص لا متناهية وغير قابلة للضبط ؟ أم أن البداية دائما تقع خارج البداية الزمنية للكتابة ؟ ..
 ـ ج  المسودات التي أكتبها لا تبدأ معي .. لأني مسبوق ببدايات ، ومسوداتي لا تدعي أنها تحدث قطيعة مع ما كتب . فأنا كائن تاريخي وأؤكد على هذا .. ومن هذا المنطلق فكتاباتي مرتبطة بالواقع والتاريخ ، وهي امتداد للتجارب السابقة ، فما أكتبه يكون مستمدا من مرجعيات مقروءة ، مسموعة ، محفوظة .. وبداياتي هي بداية  النسبية ، بمعنى أن هناك بدايات متعددة محتملة لنفس المسودة التي أكتبها . ولهذا أرى أن البداية بدايات والنهاية نهايات  .. وعندما أبدأ بنقط الحذف معناه أن  هناك كلاما محذوفا أو بدايات محذوفة .. لأن المسودة من الناحية السيميائية والمساحة التي تأخذها في الورقة هي محددة ، وبمعنى أنني لكي أملأ هذا الفضاء لا أستطيع أن أبدأ من البداية . فهذا يستغرق أكثر من ديوان .  إن الأمر يتعلق باختزال ، ونقط الحذف لها دلالات الاختزال والتكثيف ، والمسكوت عنه والحذف ، والإبقاء على أفق للقراءة مفتوح على كل الاحتمالات والتعدد ، والتشويش حتى لا تقدم المسودات معطيات جاهزة ومضامين متداولة ، وهذا يشمل الجانب الشكلي والجمالي كذلك . وأعتبر أن علامات الترقيم تحمل دلالات مهمة . إذن ، فنقط الحذف لا توضع اعتباطا ، وكل شيء يوجد على الورقة له دلالة ما .ربما هي دلالة خاصة . وأترك للقارىء إعادة قراءة هذا المكتوب وتأويل هذه البياضات  ...
  ـ  س  بما في ذلك البياض  ؟
  ـ ج  نعم ، بما في ذلك البياض ، فالصمت هو كذلك لغة ، وقد يكون أبلغ أحيانا . 
 ـ س  هناك من يرى أن مهمات الشعر اكتشاف الفضاءات اللانهائية للغة ، وليس لإضفاء الشاعرية على الواقع ، كيف تنظر إلى هذه المسألة ، خاصة وأن ما يميز قصائدك أو على الأصح مسوداتك الشعرية هو هذا الحضور للمعيش واليومي  ؟.
 ـ ج   سبق أن قلت إن ما  أكتبه يرتبط بشكل أو بآخر بالواقع المعيش 
    لأني لا أريد أن تكون مسوداتي عدمية . فلا بد أن تكون لها وظيفة ما، أو وظائف . فثمة وظائف فنية جمالية وهذه لا تتحقق إلا من خلال اعتماد لغة خاصة ، لغة غير موضوعية ، أي شعرية ، وهذا يطرح موضوع الشعرية والأدبية في الكتابة ، إذن فأية لغة سأعتمد ؟ . هي تلك اللغة الانزياحية والإيحائية طبعا . فأنا لا أوظف اللغة بطريقة معيارية ، ولكن أحاول أن أستعملها بطريقة استعارية مجازية أحيانا ، على ألا أغرق فيها . فأقدم صورا قريبة من المتلقي وفي نفس الوقت  تتضمن خرقا وعدولا .. وأنا أبحث جادا عن لغتي الخاصة وصوتي المتميز ، وهذا طموح كل شاعر ، أن يتحرر من أصوات شعرية تتسرب إلى   نصوصه  ..وأنا أحاول أن أحرر مسوداتي  من تلك الأصوات فأطردها بحثا عن صوتي الذي يعبر عني أولا ، ولكن دائما مشدودا إلى الواقع المعيش .. إذن فالواقع حاضر ، ولكن بأي شكل ؟ .إنه حاضر في مسوداتي لأنه طرف في تشكيلها ، وصفة المسودة ـ بلا شك ـ مأخوذة من سواد الواقع ذاته . ومن كل ما يقع فيه من تناقضات  سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية  ..ولأني أريد إعادة كتابته بطريقة مخالفة لما هوعليه ، أكون مضطرا للبحث عن لغة غير لغة الوصف الموضوعي الذي ينقل الواقع بحذافيره . وإنما عن لغة تمكنني من كتابة فنية للواقع ، لذلك أستعين باللغة ليس في مستواها الصفر ، وإنما في مستوى أعلى أو ما يسميه ج .  ، كوهن باللغة السامية أو العليا  ، فلا يمكن أن يكون هناك نص شعري في غياب بعض المقومات النصية التي تعطي للنص شعريته ، وإن كانت كانت لي وجهة نظر خاصة بخصوص مسألة الشعرية واللغة الشعرية .
س ـ  لأكن أكثر توضيحا لسؤالي .  فقد ورد في حوار مع الشاعر أحمد بلحاج آية وارهام بجريدة أنوال المغربية إن لم تخني الذاكرة ـ أواخر الثمانينيات ـ تصريح يؤكد خلاله أن من مهمة القصيد ، أن تجعله يقبل نفسه لا الآخرين . كيف تنظر لهذه المسألة خاصة وأن مسوداتك حافلة بعنف القبلات مع الآخرين ، ويتجلى هذا في قصيدتك المهداة إلى الشعب العراقي وقد نعتها بمسودة غير شعرية  ؟ 
  ج ـ  عندما أقول مسودات غير شعرية ، أقصد أن الجانب السياسي هو المهيمن أمام تراجع الجانب الفني ـ دون أن يغيب ـ فيها . فالوظيفة المهيمنة ليست فنية بل هي القضية أو الرسالة التي ينبغي إيصالها بوضوح تام ، فالهدف  هنا يكون سياسيا وإن عبرت عنه بلغة شعرية .. ونعرف الخصومة التي أثارتها مجموعة من النصوص الشعرية التي تتناول قضايا مصيرية كبرى مثل القضية الفلسطينية . ونعرف موقف الشاعر والناقد أدونيس من تضخم الصوت السياسي في القصيدة وهيمنته .. نعود إلى تصريح الأخ الشاعر أحمد بلحاج آيت وارهام ـ الذي أعتبره من رواد الشعر العربي في المغرب بما قدمه من خدمات جليلة للثقافة ببلادنا .. ـ إنني لم أقرأ الحوار المشار إليه لأتبين سياقه ، ولكني أؤكد أنه ليس ثمة تعارض بين أن أقبل ذاتي وأن أقبل الآخرين ، لماذا  ؟  لأنني أعتبر  نفسي من الآخرين ، فعندما أستعمل الضمائر في الكتابة للتعبير 
   .(.. التكلم  ـ الخطاب  ـ الغيبة ) فإنني أعبر عن حضور الآخرين في ، وعن حضوري في  الآخرين أيضا .. فالشاعر يعبر عن المفرد بصيغة الجمع  والعكس . فهناك تفاعل وتجادل ، وما أفهمه من قول الشاعر آية وارهام هم أنه في تقبيل ذاته يتمنى الحصول على الرضى  ، ربما تحقيقا للذات المنفلتة .. وأنا أعرف مدى صعوبة التعامل مع تصريحات الشاعر ونصوصه الشعرية التي تحمل أساطير بداخلها  ... 
س ـ  نعود إلى المسودة التاسعة "  مسودة الحصار  " التي تقدمها باعتبارها ـ غير شعرية ـ . إجابتك تذكرني بالفيلسوف  جيل دولوز الذي اعتبر في كتابه  ما الفلسفة ؟  أن كل قطاع أو مجال مميز يستدعي علاقة بنقيضه . فالفلسفة مجتاحة باللافلسفة ومخترقة بها ، والعلم باللاعلم ، والفن باللا فن . هل تعتقد أن هناك شعرا خالصا لا يتاخمه اللاشعر ؟ وأن هناك قصيدة خالصة لا يتهددها من داخلها ما هو مناقض لها  ؟ 
ج  ـ إننا نحن الذين نحدد مفهوم الشعر ، وليس لأي منا الحق في أن يعطي تحديدا واحدا مطلقا ، يقيس به مختلف الكتابات ، فيصنف الشعري منها وغير الشعري . إن النقاد يضمنون مفهوم الشعر مقاييس متفق عليها ،     وهذه المقاييس والمفاهيم تتطور أو تتلاشى بتطور الزمن .الشعر قديما  زمن  قدامة بن جعفر ،ليس هو نفسه الآن   .هناك خصائص بالفعل لكن ليس عليها إجماع ..والشعر ضد الإجماع .. ثمة وجهات نظر قابلة للمناقشة .. فإذا كان الغموض يجعل نصوصا ما شعرية . فالوضوح كذلك يكون أحيانا شعريا . ويمكن أن أقول إن ثمة شعرية للوضوح ، وهي شعرية خاصة ومخالفة للشعريات السائدة . إن هناك شعريات . والشعر ينبني على الاختلاف والتعدد والحرية . فالشعرية البساطة والوضوح موجودة ولها تراكماتها .. فالشاعر نزار قباني مثلا ، يستعمل كلمات تبدو  عادية وبسيطة قد يراها البعض لا تصلح للشعر ، لكن قدرة الشاعر على إيجاد وخلق علاقات جديدة بينها ، تمكن من خلق عالم بسيط وعميق في آن . فالشرط الذي يضعه النقاد الآن .. الانزياح وغيره ، ليس شرطا مطلقا . وأنا أتساءل ، لماذا لايمكن الحديث عن شعرية البساطة وشعرية الوضوح عوض الحديث عن شعرية الغموض فقط  ؟ .. ليست لي سلطة  لأحدد مفهوما أحاديا للشعر ،لأني فعلا أومن بالاختلاف   .وما قد يكون شعريا بالنسبة لي قد لا يرى فيه آخر كذلك .. وقد يحصل الاتفاق حول شعرية بعض النصوص . إذن ، فالشعرية مفهوم نسبي. وتعددية القراء وأذواقهم هي من يحدده . وكثيرة هي النصوص التي أقرأها ولا يلتفت إليها النقاد  وفيها شعرية نادرة . وكثيرة هي الأسماء المشهورة التي يطبل ويزمر لها بعض النقاد والمؤسسات الثقافية ، وتبدو لي نصوصها غير شعرية . بل هناك أصوات شعرية تنشر في الجرائد نصوصها ضمن ما يسميه المشرفون على الصفحات الفنية الثقافية ..بصفحة الشباب أو " على الطريق   " .. وهي نصوص جيدة تتميز تميزا ملحوظا على نصوص المشهورين من الشعراء أو على بعضهم على الأقل . .
 ـ س  أود أن أعرج على سؤال له طبيعة وجودية ، وهو لماذا هناك شعر في هذا العالم ؟ ولماذا لم يوجد العالم دون شعر ؟ أية ضرورة  تفرض على العالم أن يكون فيه شعر ؟ .
  ـ  ج  الشعر ضرورة لوجود الإنسان ، وحاجة الوجود إلى الشعر والشعراء ملحة ، لكي يجد هذا العالم توازنه . وأعتقد أن الذي خلق هذا الكون شاعر بامتياز . لأن الكائنات الموجودة على وجه البسيطة في تناغمها وانسجامها وتكاملها ، تخلق قصيدة متعددة الألوان بكائناتها وإيقاعاتها  ..  فالكون مخلوق بتناغم وإيقاع وانسجام شعري فائق ومحير .. ولكي يحقق الإنسان والوجود تكامله كان الشعر .  والإنسان عندما خلق ، وجد نفسه مضطرا لكي يخلق من داخله إيقاعا يماثل الطبيعة . وحاجة الإنسان إلى الشعر متعددة حسب احتياجاته ورغباه . فهناك من يلجأ إلى الشعر كمأوى للتعبير والإفصاح عن الأشياء التي يشعر بها ، فهو ضرورة للتعبير ولإيصال خطابات ورسائل للتواصل وتبليغ مضامين معينة أو توجيه قيم معينة ، ولم لا  ؟ . ونعرف أن الشعر مرتبط بالغناء والإيقاع والإلقاء وهو يعبر عن الفرح وعن مختلف انفعالات الإنسان التي كانت من أسباب وجود الشعر .  فالإنسان خلق شاعرا ، وغياب الشعر معناه غياب لخصيصة إنسانية أساسية لوجود هذا العالم  . إن الشعر ملح هذا العالم ، فهو الذي يعطي الحياة لذة ونكهة خاصتين . ولولاه لمل الإنسان وجوده . إذ الشعر هو المأوى الأمين أمام كافة تقلبات   الحياة ، وله وظائف متعددة فاعلة في الواقع  ، لذلك فالكثير من الشعراء سجنوا أو اغتيلوا بسبب أشعارهم ، والشعراء أحيانا ينجزون ما يعجز السياسيون عن إنجازه ، لأن الشعر يوحد النفوس ويشحذها بالأمل  والمحبة .  
       ـ  س  ؛ قلت إن الشعر طرب وغناء وإيقاع ؛  وهذا يحيل إلى قصيدة القافية  والتفعيلة كذلك . هل أنت متورط في هذا العالم الغنائي للقصيدة ، بحيث يمكن أن نضع حدا لغزو النثر لمسوداتك  ؟ . كيف تنظر لما يسمى 
حاليا بقصيدة النثر  ؟ .  
 ـ  ج  ؛ في محاولاتي الأولى ، كتبت القصيدة التقليدية  لكن ، جاءت بشكل مشوه ، لأني لم أجد نفسي فيها .فالإلتزام بوحدة البحر الشعري لم يتح لي الحرية اللازمة لأقول كل ما أريد قوله ، كما أن الضرورة الفنية للحفاظ على توازن القافية يجعل نصوصي معرضة للحشو ، مما يجعل الغاية هي  الاستقامة العروضية وليس القصيدة في مختلف جوانبها . وهذا ما يخالف سجيتي في الكتابة . فأنا عندما أكتب معناه أن حالة ما تأتيني فأجدني أكتب . لأني لا أختار زمن ومكان الكتابة  ... ثم إن التفعيلة تحررني أكثر من الضغط العروضي الذي تمارسه القصيدة التقليدية .. وأنا أحترم الشعر التقليدي ، وأعني الشكل التقليدي .  لأن هناك نصوصا جيدة كتبت به . وستظل القصيدة التقليدية حاضرة الآن ومستقبلا ، ولا يهمني أن تكون القصيدةعمودية أو تفعيلية أو نثرية . فهذه أشكال أو عناصر ضمن مفهوم القصيدة بصورة عامة . وأنا سيد النص .. وأنا من يختارالشكل الذي يلائم بوحي وهو نظام التفعيلة مع العلم أني أحيانا أعاني مع شكلي هذا كذلك ، لأن التفعيلة بدورها تفرض أحيانا حدودا تحد من انطلاق رؤية الشاعر .. وهكذا فكل المعايير والضوابط التي لها طبيعة شكلية ، تكون بمثابة إكراهات مسبقة . والشاعر لا يجب أن يكتب بالمسبق لأنه يحد من الإبداع وفاعلية الكتابة  .. فبعض نصوصي تبدأ بالتفعيلة  لتتخلى عنها أحيانا بوعي . وأمام بهاء الصورة الشعرية واكتمالها ، لا اكتمال دورة التفعيلة . فالمعيار إذن ليس التفعيلة ، وإنما الصورة الشعرية وقوتها التأثيرية علي وعلى القارىء . فالإيقاع إيقاعات وأنا أهتم بالإيقاع الداخلي الذي يبني نفسه لا الإيقاع الخارجي .. ومن هنا فلست ضد قصيدة النثر بالمطلق . لأني مع حتى ما سيأتي بعدها ما دمت أومن  بالتجدد والتحول والتغيير واللانهائي . وأرفض كل سكونية  وارتياح وكل جديد يثير شغبنا بالفعل . ويثير ردة فعل غاضبة  مضادة كذلك . اتهمت التفعيلة سابقا  بالتآمر على الشعر العربي والقومية العربية  .. واعتبرت مؤامرة صهيونية إلى غير ذلك  .. لكن مع رسوخ هذا الجديد تتبدل الآراء ، فالذين رفضوا التفعيلة سابقا جلهم يقبلها الآن . وكذلك سيكون مع قصيدة النثر ..والشعرية على كل حال مفهوم نسبي ، قد تجدها في الرواية والمسرح والتشكيل  .. فلماذا لا نجدها  في قصيدة النثر ما دامت تحقق إثارة ودهشة ومفاجأة تخلخل   المتلقي وتثير فيه الأسئلة ؟ فلماذا لانعتبرها شعرا  ؟ ..فالشعر صدره   رحب ، لكن نحن من نضيق الخناق عليه . إنه كالبحر له روافد متعددة تزوده بالحياة والتجدد ، ولكل رافد شكل ومنحى . فالشعر يقوم على التعدد والاختلاف ، وكل محاولة لتنميطه هي قتل لأنفاس الإبداع فيه . هي نمذجة له . والشعر هو ضد النموذج  والصراع كان دائما حاضرا بين القديم والجديد . 
فالقدامى من النقاد وضعوا قوانين وأعرافا للصور الشعرية رسموها وفصلوها ، وحذروا من مغبة الخروج عنها . ودارت نقاشات محتدمة حول الخارجين عن أسسها كمسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي تمام وغيرهم . إن الشعر فوق المواصفات الجازمة ، ولهذا قيل الشعر كالحب ولهذا لا يوصف  ..
 ـ س  فيما يخص الشعرية  ، أين تحصرمثواها الأساسي ، هل في اللغة ؟  أم في الواقع ؟ أم في ذات الشاعر  ؟  أم في القصيد ؟ أم في القارىء ؟ ..
 ـ  ج  الشعرية تدخل في  تلك العلاقة التي تقيمها هذه العناصر جميعها ، والشعرية يحدد مفهومها حسب الاتجاهات الشعرية . فهناك من يعطي أهمية للنص ولا شيء غير النص  ، حيث لاتوجد شعرية خارج اللغة ، وهذا ما تؤكده البنيوية .. بالنسبة لي لا آخذ بهذا المعطى بحذافيره .لأنه إذا كانت الشعرية لاتتحقق  إلا داخل اللغة وداخل النص ، سنكون أمام إبعاد الطرف الذي ينتج هذا النص وهو الإنسان .وذلك لكونه فاعلا وصانعا للتاريخ ومبدعا في الواقع وللواقع . من هنا فوجود الشاعر ضرورة  أساسية واللغة أداة وقناة إيصال  وتواصل  ، يمكن ألا تكون شعرية في  ذاتها  ، ولكن طريقة التعبير تجعلها شعرية . فاللغة متواضع عليها وتبقى طريقة الاستخدام والإنجازالفردي أساسية  .فالشاعر ينقل اللغة من مستواها المعياري العام إلى الإنجاز الفردي الخاص . وهنا تجتمع شعرية اللغة مع شعرية الشاعر لتصل إلى أقصى درجات التفاعل مع المتلقي . هذا الذي ليس دائما مستهلكا عاديا للشعر ، بل إنه يتدخل كذات فاعلة في إعادة تشكيل النص بقراءته قراءة ثانية مختلفة ، وأحيانا يحقق المتلقي شعرية تفوق شعرية الشاعر نفسه ، وقد كان المتنبي يقول لمحبي شعره حين يسألونه عن قضية من قضاياه ما معناه  " اذهبوا عند ابن جني فهو أعلم مني بشعري  .. " فللشعر شعريات ولا يمكن حصرها في بعد واحد من هذه الأبعاد  ؛ اللغة ، الشاعر ، القارىء ، الواقع .. وهناك في رأيي شعرية الإنشاد والإلقاء . فهناك قصائد تحقق روعتها حين قراءتها على الجمهورمباشرة ، ولاتفعل ذلك حين تكون مكتوبة على الورق ، كما أن الإلقاء يمكنه أن يخمد شعرية القصيدة  .. 
 ـ س  من خلال ما سلف في الحوار .. يظهر أنك متمسك بالوضع الوظيفي للشعر ، ويبدو أنك تراهن كثيرا في قصائدك على قول المعنى . هل هذا  يعني أن اللامعنى لايدخل في إطاراستراتيجيتك الشعرية  ؟  
 ـ ج  لا شيء يوجد عبثا  أو لا معنى له ، أو لادلالة له ‘ فأنا متشبت بقول الشعر للمعنى ، وحتى اللامعنى أعبر عنه بالمعنى . فأنقل اللامعنى بالمعنى ولا أقوم بالعكس . وهذه استراتيجية تربطني بالقارىء  أكثر .هناك  من أحدث تحولا في هذا المفهوم للشعر ، بدعوى انهيار الإديولوجيا أو سقوط المعسكر الاشتراكي إلى غير ذلك من التبريرات .. بالنسبة لي فبيئتي لازالت في حاجة إلى المعنى . لازالت في حاجة إلى الدفاع عن القيم الإنسانية المفتقدة ، فنحن لازلنا في حاجة إلى التحريض على الفعل وعلى الاحتجاج . فشرط البحث عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية يطرح علينا وظيفة المعنى بإلحاح ، وشعريتي على العموم مرتبطة بالواقع بشدة .  وعندما تتحقق الديمقراطية في الواقع ، ربما سيكون لي كلام آخر  ..وأرى أن طرح قضية اللامعنى مرتبط ومنحصر في جماعات محدودة .. وأنا أريد لمسوداتي الشعرية أن تكون منفتحة ، وأكثر شعبية ، وحتى حين أشعر أن هذا الكون لا معنى له أكتب وأكتب لأجعل له معنى ما  .. 
  ـ  س  نعرف جيدا أن عنوان المرحلة هو العولمة . بسطوتها الإعلامية بهيمنة وسائل الإيصال وليس الاتصال . هل تعتقد أن العولمة تضع الشعر في مأزق أو ستقلص من دوره  ؟  
  ـ  ج  العولمة ظاهرة تاريخية كباقي الظواهر الكبرى التي عرفها العالم ، ولا يمكن لها أن تقتل الشعر مادام الإنسان موجودا . فالشعر هو الجانب الأكثر عمقا في الإنسان . ربما يتخذ أشكالا وصيغا مغايرة للظهور ، لكنه لن يموت .. حقيقة العولمة حدث علمي سياسي اقتصادي للقرن العشرين بامتياز نظرا لارتباطه بهيمنة القوى الإمبرالية الكبرى والتي تسعى لأن تفرض خيارا واحدا ووحيدا للعيش . إلا أن هذا لايعني أن العولمة هي نهاية التاريخ والعالم . فهذه مرحلة يمكن أن تتجاوز كما تجووزت مراحل سابقة عليها . فكما أن الرأسمالية عرفت ازدهارها ونكستها ثم تجديد نفسها ، فإن الاشتراكية كبديل لشرور النزوع الفردي يمكن بل وستجدد نفسها مرة أخرى لتحيا . وهكذا الإنسان كذلك  ، فبالأحرى الشعر ذو النزوع الإنساني بامتياز . ففي خضم هذا التفاعل تتجدد الكتابة لتظهر في أشكال جديدة ، لكن دون أن تلغي الأشكال السابقة عليها . والآن في خضم الإحساس بهذه الهيمنة المفروضة والاستسلام لها . هناك كتابات مغرقة في  الشكلية ولا تهتم بالمعنى ولا تهمها الوظيفة  الاجتماعية ولا القيم الإنسانية  .. ونحن نرفض هذه المسألة ولا نعتبرها بالمطلق خطرا مميتا ، يضع الشعر في مأزق . لأن القصيدة التي تنهل من القيم الإنسانية ستبقى بل وستتجدد . ونحن لاحظنا كم من قرن مر على القصيدة التقليدية أو العمودية ولا زالت هاته التجربة في عنفوانها مع التأكيد على أن الأشكال تتجدد بتجدد معانيها وقد بدأت بعض الكتابات تمشي في هذا الاتجاه ، لكن معالمها لم تتضح بعد  .. وبطبيعة الحال هي الأخرى ستعرف سخطا ورجما وتجريما كما ستجد مناصريها بالتأكيد . وعلينا أن نكون مع منطق التعايش لا الإقصاء ، ونترك لمنطق التاريخ الحسم والفصل  .. 
 ـ س  في خصوصياتك الأكثر ذاتية ماذا تعني  ؛  المرأة  ؟ .. الموت  ؟ .. 
 ـ ج   أول محاولاتي لدخول عالم الشعر ، كان مصدرها المرأة . أي العلاقة المباشرة مع نصفي الآخر ، مع الحب . مع ما هو وجداني . وهذا العنصر كان أساسيا في تكون تجربتي ، مع العلم أن هذه المحاولات بدأت مع السبعينيات ، وهي المرحلة العصيبة في تاريخ المغرب ، مرحلة الظروف السياسية الأكثر توترا وما كان يواكبها من قمع واعتقالات . من هنا كان طبيعيا أن تتأثر نصوصي بهذا المنحى السائد ، فكان البعض منها يشبه بيانات سياسية . وأعود لأؤكد أن هذين المنحيين تأثرا بتطور الوقائع حولي .. والمرأة الآن في كتاباتي تتخذ رموزا وأشكالا أكثر غنى  ؛  الأرض ، الوجود ، المثل  ..فلكي أحب هذه المرأة يجب أن تكون قصيدة بالذات  . ولا امرأة تعلو فوق القصيدة .فالقصيدة هي غاية الغايات ، وأمام هذا الحب العارم للقصيدة تتحطم الأنا  الضيقة أو الأنوات التي تربطني بالمرأة ـ الأنا ـ الجماعة ـ الحزب ـ القومة ـ  لتحل محلها الأنا ـ الكون والتي تحققها هاته المرأة المسماة قصيدة  ..
 أما بالنسبة للموت فأنا أنظر إليه كأنه نهاية بل انتقال من حالة إلى حالة أخرى  ، ولست أخشاه مادام حالة بيولوجية ، أتقبله برحابة وأنتظره في كل لحظة دونما حسرة ، وإن كنت أحب الحياة من أجل أن أقدم خدمات لهذه الكائنات  . أما الموت الذي أخافه فهو الحالة العامة التي نعيشها  ؛  نموت فعلا حين تجهض آمالنا وأحلامنا . نموت فعلا حين يقررون  مصائرنا دون استشارتنا ويرغموننا على العيش على الشعارات و الأوهام ؛ وهم الديمقراطية ، وهم الحداثة ، وهم حرية المرأة ،  ... ونموت حين نرى معاهدات السلام المفبرك ، والتطبيع الفظيع حولنا  ، ونموت أمام الصمت العارم للحكام والشعوب  على حد سواء ، ونموت حين تجهض كل محاولة لانعتاق الشعوب من أجل حريتها  ، هذا هو الموت اليومي الذي يجب أن نخافه  ؟  ..
 ـ  س  يقول الفيلسوف الروماني الأصل  إيميل سيوران المتوفى  عام  ؛   "  عندما نموت  نصير أسياد العالم  " .  كيف تنظر لهذه المسألة  ؟ ثم هل حين نكتب نحاول أن نمسك بما ينفلت منا قسرا نحو النهاية . وبوضوح أكثر . هل تحاول أن تلاحق هذا الموت بالانتصار عليه بواسطة مسوداتك الشعرية  ؟  .
 ـ ج  بالفعل ، الكتابة فعل مضاد للموت . فالرسم بالكلمات هو توقيع على دفتر الوجود . وتسجيل للحضور الفعلي والعيني في الحياة . وهي تأريخ للإعلان عن حضور الذات في هذا الوجود . وهي بهذا تعبير عن طموحات الذات والغير من أجل الحب والحياة . بهذا المعنى يكون صحيحا قول الفيلسوف الروماني  أمام الإحساس بخسارتنا  لأحد مبدعي هذا الوجود . فالمبدعون لا يلتفت إليهم غالبا  إلا بعد وفاتهم  ، فبمجرذ موتهم تتحرك الأقلام بالرثاء ، وتخليد الذكري . فنصير أسيادا للعالم ، لكن عندما نكون أحياء ، نكون عبيدا . وكثير من الأشخاص  دخلوا التاريخ من خلال فعل الموت أو من خلال إنجاز فعل الموت أي أنهم لم ينتظروا حتى يطرق أبوابهم بل هم من دقوا عليه وأيقظوه من سباته وذلك من خلال عملية الانتحار وهي حسب رأيي فعل جريء وإن كان هناك من يخالف هذا الرأي من خلال منظورات دينية أو غيرها . أتساءل  ؛ من يستطيع أن يقدم على الموت لكي يعلن موقفه واحتجاجه من الإهانات التي يتعرض لها  ؟  ..هذا نوع من التعبير أو الكتابة  وكل واحد في النهاية يقتنع بفعل يمارسه  ـ وظاهرة انتحار المبدعين هي ظاهرة عالمية ـ  عندما يشعر  ، المبدع بالعجز عن التعبير بالكتابة ، أو بلا جدواها  ..ويحضرني  هنا انتحار الشاعر خليل حاوي ، والشاعر كريم حوماري  ..وهذه دعوة للذكرى للاحتفاء ، ولم لا  ؟  وأؤكد أن هناك اختلافا  في طريقة الاحتفاء فهناك من يقف عند  " اذكروا موتاكم بخير  .."  فلماذا لا نذكر هم بمنجزاتهم وبشرورهم التي اقترفوها كذلك  ؟ . يجب إزالة القدسية المفتعلة عن الموتى . فهناك احتفاءات في الواقع غير مبررة ، جوائز توزع لاعتبارات غير إبداعية تسيء للإبداع والعلم والإنسان ، كأن يحتفى بشخص ما لأنه كان طول حياته  يزمر ويطبل  ويشطح للسلطة أو الحزب الحاكم  . بينما نتناسى المهمشين والمقصيين الذين أبدعوا وناضلوا من أجل أهداف وقيم إنسانية نبيلة  ، والأحرى أخيرا أن نحتفي بالمبدعين وهم أحياء يمشون بيننا ، يحملون آمالا ويأسا وضميرا إنسانيا لا يريدون  التخلي عنه  .. 
 ـ تيزي  ؛  نتمنى  لكم مشوارا إبداعيا أكثر اشتعالا في ليل مسوداتكم الشعرية  ..
 
أنجز الحوار مباشرة يوم 01 ـ08 ـ 1998 بمراكش
 
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






الأوصاف