مسودات
moswaddate
معلومات المدون:
الإسم : عبد العاطي جميل
البلد : المغرب
(اعرض صفحتي)

عن المدونة:
شاعر من المغرب

:: حماقات السلمون سعيد بوخليط



بقلم سعيد بوخليط  


حماقات السلمون هي الوصفة الجمالية التي أراد لها المبدعان عبد العاطي جميل ومحمد بلمو، أن تكون شعرا. عمل ثنائي إذن; يلفه نفس الانتشاء الذي يشغل روح كل التجاذبات اللغوية الحالمة آلية وتأسيسا بهوية كتلك.
يقول الناقد عبد الجليل بن محمد الأزدي، بهذا الخصوص في تأطيره النظري والمفهومي لهذه التوليفة الشعرية: شاع العمل الثنائي، أو بالأحري المشترك، عند الكثير من الفاعلين في الحقل الثقافي: الإخوان كونكور، شاتريان وإركمان، لوريل وهاردي، عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، بورديو وباسرون، عبد العاطي جميل ومحمد بلمو. وفي هذا الصنيع، تنتفي القواعد والصيغ العامة مثلما تتزايل عمومية الشعار المطالب بسقوط الواحد، لينتصر الطموح إلي ممارسة المتعدد .
ثنائية تتلون زمانيا وأنطولوجيا، داخل نفس أضلع المساحة الشعرية بفيض يخلق من الوحدة اختلافا لا متناهيا، وكذا ذاك التعدد الذي يكتم بكل ما أوتي من قوة علي فوهة غريزة الاندفاع حتي تطوي الذات الواحدة حقا مطلق زخمها.
مظهريا قد لا تسلم حماقات السلمون بالسهولة المفترضة ممكنات ثنائيتها، حيث سيحافظ سواء عبد العاطي جميل أو محمد بلمو علي هوامش أو فضاءات للمناورة، لكي لا يفقد أي واحد منهما ذاتيته في مهب الثنائية، لأنها الأصل والوصل والمنتهي. في حين، يظل هذا النوع من الكتابة مجرد تلمس لكيفيات التمكن من ارتدادات آخرية الآخر. يتقاسم الشاعران، بطريقة ندية وزر سفرهما الشعري. ابتداء من عتبة تقاسيم التسمية إلي البناء المفصلي لهذا العمل.
إن حماقات السلمون هي نفسها تلك الحماقة التي حولها محمد بلمو إلي بوح شعري، مثلما أن القارئ يتمرأي بعضا من شجون عبد العاطي جميل ، بترسيمة اختار لها صاحبها سلمون . فالحماقات، بكل إحالاتها علي الإنصات المنساب للذات الإنسانية في ارتجاجاتها وتصدعاتها الانفلاتية، لا يمكن بالأساس إلا أن تكون موحية، مبدعة وخلاقة.
كذلك السلمون وهو يتضمن أنواعا مختلفة من السمك تعيش في المحيطين الأطلسي والهادي، ثم البحيرات الكبيرة، فإنه يهاجر أيضا بين الأنهار والبحار. السلمون ، معروف خاصة بقيمته الغذائية وفوائده الطبية للقلب نظرا لتوفره علي نسب زائدة من أحماض أوميغا الذهنية مقارنة مع أنواع السمك الأخري.
لذلك، وبناء علي الحماقات، السلمون والشعر. فإن المداواة بنسائم اللغة تبدو فعالة أكثر من أي وقت مضي. الحماقات، صفاء للسريرة، معانقة الذات لذاتها وقد تخلصت إلي الأبد من مكائد الآخرين. كما أن السلمون مصير مشتعل. أعظمنا، من له القدرة الجارفة علي اختراق ذاته. وبالتأكيد، فالسلمون في خلوة قعر المحيطات يتمثل شموخه الفيزيقي والأنطولوجي برغبة عارمة في ذلك الرحيل اليومي.
ألصق الشاعران، في مكان ما من العمل، يافطة تفضح للقارئ بشكل تقريري، النصوص التي تنتمي إلي محمد بلمو أو تلك التي انسلت من تحت جبة عبد العاطي جميل . وهي بالمناسبة، أربعة عشر نصا، تماثلها أربعة عشر أخري. لكن، هناك تباين مفهومي مفارق، علي الرغم من هذا التجانس والتوحد الشكلي.
وضع محمد بلمو نصوصه تحت الإطار التقنيني المفهومي لـ القصيدة بينما التجأ عبد العاطي جميل إلي رحابة ورخاوة المسودة . فاستراتيجية التسمية، بالتصنيف الجنسي لا تخرج عن ما قبليات نظرية، وقصديات أفقية لكل واحد منا.
لكن فيما يمكن أن تتباعد القصيدة عن المسودة ؟ أو علي العكس تحل المسودة في ذاتها بتوالد خصب لتعبيرات القصيدة؟ إنه التصور نفسه،الذي يقود من خلال كل منعرجاته وسراديبه إلي معني ثان: هل من الضروري توصية المبدع بهوية ما للعبته؟
القصيدة تملأ جسدها إلي حد الفقد. المسودة منحازة بقوة لمتغايراتها، تظل رحيمة مشفقة علي حنجرتها من كل حبسة. تهتز وترتعش علي الدوام، محتضنة دوي البراءة. الشيء الذي يكفل لها ضدا علي ميتات الزمان ورتابة المكان، دهشة وفتوة.
إذا توخت القصيدة، أن تكون كائنا اجتماعيا له مؤسسات ومعاقل. فإن المسودة تقضي منذ البدء علي كل أسباب التعرية، وهي تتقلب علي جلدها في أفق معانقة اللانهائي.
راهن عبد العاطي جميل علي المسودة مهذبا بالتالي شاعريته حينما يتعلق الأمر بذلك التلاحم العصي والدقيق في حماقات السلمون أو بالأحري تبادل الأوليات بين الواحدي والمتعدد. توخي جميل أن يزيح عن كاهله اللعبة الثقيلة. المتعلقة بالتصنيفات والتحديدات. لأن ما يهمه أساسا تفتيق اللغة الواصفة، و شحنها بمجموعة من المضامين الإنسانية والقيمية.
كما أن لحظة المسودة. تترك الشعر أكثر شاعرية قبلا أو بعدا. علي اعتبار أن الخربشات مثلا والحذف والمحو والتشطيب... بمعني كل آليات التشذيب والتهذيب تعبر عن دينامية اللغة. كما تعكس البذخ الجمالي، لصاحب هذه اللغة وارتباطه الطفولي بها.
نقرأ مع عبد العاطي جميل:
... أليس خرابا
أن تجلس
علي حصير
في موعد غير وثير..
قهوة سوداء..
صفحة بيضاء..
وحبر في صمت
والسطر في انتظار..
... أليس خرابا
أن ترفع جلسة
ولا تداعبك كلمات
فتعود بالخفين
بلا شوق
وبلا حنين
وتلاعبك الكدمات... - ص 49-
من المؤكد، أن أهم التخريجات النظرية والمفهومية لدراسة علم النفس الإبداعي جاءت حينما توجه نقاد الأدب إلي التحري في حياة المبدع، ليس انطلاقا مما أصدره وأخرجه للقارئ. ولكن البحث في مسوداته، مراسلاته الخاصة، اعترافاته السرية، قمامة مكتبه... وفي كل تلك النصوص الصامتة التي اكتشفها الناس بعد موته متوارية بين رفوف خزانته ثم رفض نشرها إبان حياته.
أما عن تعبئة الناقد الأزدي، للقارئ اتجاه حماقات السلمون فقد كانت إيماءاته في حل من كل تشويش علي عذرية النصوص وتلقائيتها. الدليل علي ذلك، تواريها عن كل واجهة إعلامية مجانية، محتفظا للقارئ بكبريائه وهو يقتحم عتبة المتن. حيث من المعتاد، أن تتبلور أولي لبنات التأويل تلك كما يفترض أكاديميا عند رأس حماقات السلمون . لكن العكس، هو الذي حدث. مسألة ربما تتضمن بعض الفرضيات مثل :
- ليس واجبا علي الشاعر، أن يفصح لنا عن شفرات تضميناته. وحدها القراءة المترامية تتكفل بذلك.
- أن أي تقديم نظري، كيفما كانت كلفته وتكلفته قد يعكر صفو وانتعاشة شهية القراءة.
- قد تتحول القراءة إلي إسقاطات ملتبسة لترسانة من القوانين والقرارات المسبقة، لا يتحملها قط الجسد الطازج لشعر ما.
- من غير الضروري، تمثل القراءة لبنية المألوف. وتعيد صياغته ثانية لكي تتواطأ مع قارئ يستكين في الغالب إلي المواضعات وتفزعه البدع والمستحدثات...
ولأن محمد بلمو وعبد العاطي جميل، يريدان لعملهما التمنع بالشعر دائما فقد سعيا إلي التشويش علي مفهومية الأزدي بمساحات من الشعر، وبالتالي عدم تخويلها كليا فرصة الانفراد والاستفراد بالقارئ.
تؤثث حماقات السلمون ثمانية وعشرون نصا، توزعت بين قصائد لمحمد بلمو، حملت العناوين التالية : حماقة / أسئلة صغيرة/ بلا معني/ الأبرياء / بيانات الحزن والفرح/ لم يمهلني كي أراك / وداعا إلي السيد شوينكوم / نص الأفعال/ جواب / موعد محجوز/إلي العزيز سيزيف/ شيق كالجحنة/ رعد الهشاشة / حريك مضاد.
في حين جاءت مسودات عبد العاطي جميل وفقا لما يلي : ديوان أقفر/ سلمون/ مركب خيبة / أرض أرق/ مسودات/ لم تمت / آيات / خبز ظن/ طريق/ زهرون/نزارية لجوء/ فانوس البهاء/ بخجل ألقاك / تلك أمنيتي.
هذا الفصل، لم يكشف عن نفسه إلا بطريقة تعاقدية من خلال إعلان تم إلصاقه احتراما لذكاء القارئ أو اختبارا لحساسيته الجمالية. بينما ظلت ثنايا النصوص غير آبهة بالهويات والوصفات. محتفلة فقط برنينها، محلقة مع انسيابها الشعري.
من حقنا الاستفسار حتما، هل كانت حماقات السلمون تناظرا شعريا بين محمد بلمو وعبد العاطي جميل؟ أم تواريا وجوديا مفتعلا؟ لماذا، قد تلجأ الذات المبدعة، باعتبارها أكثر الذوات تمركزا إلي لحظة مغايرة؟ ما هو التأويل المحتمل لذلك؟ هل من سند تصوري عند موقعي حماقات السلمون ؟ أم القضية، في مجملها محكومة بدواعي لوجيستيكية تتعلق بإكراهات مادية قصد التمكن من إخراج حماقات السلمون داخل هيكل سوسيولوجي ثقافي ميت تماما ينعدم فيه الحد الأدني من الشروط الملائمة للتحفيز علي الدخول في لعبة تراهن علي النشر والإصدار...
بلا شك، كل تلك الافتراضات وأخري تتداخل هنا، من السبق الشعري إلي التجريب النظري لسؤال الآخر والبين - ذاتي، انتهاء بمحتويات جيب الشاعر من قروش ودراهم. لكن المثير، عندي كقارئ لـ حماقات السلمون يتجلي أولا في انسجام و تماثل - علي نسبية ذلك كمفهوم مجرد - التيمة الشعرية، كما أن الحس الشعري هو ذاته: الوطن ،الحبيبة، الاغتراب، التيه، الإغراء، الالتزام، الفقراء، الثورة، الثوار، العزلة، اللامعني، الحزن، الفرح، الرغبة، المرأة، الذات المدينة، المصير، الزمان، السؤال، البحر، الشهداء، الموت، الأم، الذكري، الذاكرة، الجسد، الرحيل، الحمق....
يبقي التباين في تركيز محمد بلمو علي كثافة الصورة واللقطة المتحركة، بينما يروم عبد العاطي جميل نحو الإنصات أكثر لاهتزازات اللغة بالعمل علي تنغيم وتلحين هذه اللغة بموسيقي شكلية ومحايثة، لغة تحاور في كثير من تلوينات المسودات بين لباقة ودبلوماسية الشعريات الحديثة، ثم الصفاء العرقي و الإباء الجنسي للغة القدماء.عملية تتطلب ترويضا نفسيا عويصا لأنه من نوع خاص.
اهتم محمد بلمو من جهته، بتثبيت وتوطيد قصائده زمانيا. إجراء:
- قد يقوم بالفعل كمنهجية للتوثيق لا غير، لكي تظل ولادة القصيدة مشتعلة في ذاكرة المبدع.
- يخلق بلمو مسافة فكرية بينه وكذا ما أنتجه. تجسد له حصنا ومأوي أمام همسات النقدات سواء في إطار علاقة النص بباقي نصوص المجموعة أو حيال تشنجات القارئ.
لكن من المعروف، تمرد الزمان الإبداعي علي وصايا الزمان الفيزيائي. لذلك، ينتفي كل توازن منطقي بين النمو البيولوجي للجسد والسمو الإبداعي للكائن ذاته. أبسط دليل، هو أن البشرية اليوم حتي ولو راكمت الزمان الفيزيائي قياسا إلي اليونانيين، فمن المؤكد، افتقارها الإبداعي لموهبتهم في شتي الحقول المعرفية.
لا يكترث الشعر قط بالتقارير والإعلانات، تلك حكمته منذ الأزل. عظمته في إبائه وسخائه وسره في فتنة قراءته. الشيء عينه لبسني مع حماقات السلمون .

ناقد من المغرب
saidboukhlet@hotmail.com

 

الصور المرفقة
 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية






الأوصاف