بقلم سعيد بوخليط
حماقات السلمون هي الوصفة الجمالية التي أراد لها المبدعان عبد العاطي جميل ومحمد بلمو، أن تكون شعرا. عمل ثنائي إذن; يلفه نفس الانتشاء الذي يشغل روح كل التجاذبات اللغوية الحالمة آلية وتأسيسا بهوية كتلك.
يقول الناقد عبد الجليل بن محمد الأزدي، بهذا الخصوص في تأطيره النظري والمفهومي لهذه التوليفة الشعرية: شاع العمل الثنائي، أو بالأحري المشترك، عند الكثير من الفاعلين في الحقل الثقافي: الإخوان كونكور، شاتريان وإركمان، لوريل وهاردي، عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، بورديو وباسرون، عبد العاطي جميل ومحمد بلمو. وفي هذا الصنيع، تنتفي القواعد والصيغ العامة مثلما تتزايل عمومية الشعار المطالب بسقوط الواحد، لينتصر الطموح إلي ممارسة المتعدد .
ثنائية تتلون زمانيا وأنطولوجيا، داخل نفس أضلع المساحة الشعرية بفيض يخلق من الوحدة اختلافا لا متناهيا، وكذا ذاك التعدد الذي يكتم بكل ما أوتي من قوة علي فوهة غريزة الاندفاع حتي تطوي الذات الواحدة حقا مطلق زخمها.
مظهريا قد لا تسلم حماقات السلمون بالسهولة المفترضة ممكنات ثنائيتها، حيث سيحافظ سواء عبد العاطي جميل أو محمد بلمو علي هوامش أو فضاءات للمناورة، لكي لا يفقد أي واحد منهما ذاتيته في مهب الثنائية، لأنها الأصل والوصل والمنتهي. في حين، يظل هذا النوع من الكتابة مجرد تلمس لكيفيات التمكن من ارتدادات آخرية الآخر. يتقاسم الشاعران، بطريقة ندية وزر سفرهما الشعري. ابتداء من عتبة تقاسيم التسمية إلي البناء المفصلي لهذا العمل.
إن حماقات السلمون هي نفسها تلك الحماقة التي حولها محمد بلمو إلي بوح شعري، مثلما أن القارئ يتمرأي بعضا من شجون عبد العاطي جميل ، بترسيمة اختار لها صاحبها سلمون . فالحماقات، بكل إحالاتها علي الإنصات المنساب للذات الإنسانية في ارتجاجاتها وتصدعاتها الانفلاتية، لا يمكن بالأساس إلا أن تكون موحية، مبدعة وخلاقة.
كذلك السلمون وهو يتضمن أنواعا مختلفة من السمك تعيش في المحيطين الأطلسي والهادي، ثم البحيرات الكبيرة، فإنه يهاجر أيضا بين الأنهار والبحار. السلمون ، معروف خاصة بقيمته الغذائية وفوائده الطبية للقلب نظرا لتوفره علي نسب زائدة من أحماض أوميغا الذهنية مقارنة مع أنواع السمك الأخري.
لذلك، وبناء علي الحماقات، السلمون والشعر. فإن المداواة بنسائم اللغة تبدو فعالة أكثر من أي وقت مضي. الحماقات، صفاء للسريرة، معانقة الذات لذاتها وقد تخلصت إلي الأبد من مكائد الآخرين. كما أن السلمون مصير مشتعل. أعظمنا، من له القدرة الجارفة علي اختراق ذاته. وبالتأكيد، فالسلمون في خلوة قعر المحيطات يتمثل شموخه الفيزيقي والأنطولوجي برغبة عارمة في ذلك الرحيل اليومي.
ألصق الشاعران، في مكان ما من العمل، يافطة تفضح للقارئ بشكل تقريري، النصوص التي تنتمي إلي محمد بلمو أو تلك التي انسلت من تحت جبة عبد العاطي جميل . وهي بالمناسبة، أربعة عشر نصا، تماثلها أربعة عشر أخري. لكن، هناك تباين مفهومي مفارق، علي الرغم من هذا التجانس والتوحد الشكلي.
وضع محمد بلمو نصوصه تحت الإطار التقنيني المفهومي لـ القصيدة بينما التجأ عبد العاطي جميل إلي رحابة ورخاوة المسودة . فاستراتيجية التسمية، بالتصنيف الجنسي لا تخرج عن ما قبليات نظرية، وقصديات أفقية لكل واحد منا.
لكن فيما يمكن أن تتباعد القصيدة عن المسودة ؟ أو علي العكس تحل المسودة في ذاتها بتوالد خصب لتعبيرات القصيدة؟ إنه التصور نفسه،الذي يقود من خلال كل منعرجاته وسراديبه إلي معني ثان: هل من الضروري توصية المبدع بهوية ما للعبته؟
القصيدة تملأ جسدها إلي حد الفقد. المسودة منحازة بقوة لمتغايراتها، تظل رحيمة مشفقة علي حنجرتها من كل حبسة. تهتز وترتعش علي الدوام، محتضنة دوي البراءة. الشيء الذي يكفل لها ضدا علي ميتات الزمان ورتابة المكان، دهشة وفتوة.
إذا توخت القصيدة، أن تكون كائنا اجتماعيا له مؤسسات ومعاقل. فإن المسودة تقضي منذ البدء علي كل أسباب التعرية، وهي تتقلب علي جلدها في أفق معانقة اللانهائي.
راهن عبد العاطي جميل علي المسودة مهذبا بالتالي شاعريته حينما يتعلق الأمر بذلك التلاحم العصي والدقيق في حماقات السلمون أو بالأحري تبادل الأوليات بين الواحدي والمتعدد. توخي جميل أن يزيح عن كاهله اللعبة الثقيلة. المتعلقة بالتصنيفات والتحديدات. لأن ما يهمه أساسا تفتيق اللغة الواصفة، و شحنها بمجموعة من المضامين الإنسانية والقيمية.
كما أن لحظة المسودة. تترك الشعر أكثر شاعرية قبلا أو بعدا. علي اعتبار أن الخربشات مثلا والحذف والمحو والتشطيب... بمعني كل آليات التشذيب والتهذيب تعبر عن دينامية اللغة. كما تعكس البذخ الجمالي، لصاحب هذه اللغة وارتباطه الطفولي بها.
نقرأ مع عبد العاطي جميل:
... أليس خرابا
أن تجلس
علي حصير
في موعد غير وثير..
قهوة سوداء..
صفحة بيضاء..
وحبر في صمت
والسطر في انتظار..
... أليس خرابا
أن ترفع جلسة
ولا تداعبك كلمات
فتعود بالخفين
بلا شوق
وبلا حنين
وتلاعبك الكدمات... - ص 49-
من المؤكد، أن أهم التخريجات النظرية والمفهومية لدراسة علم النفس الإبداعي جاءت حينما توجه نقاد الأدب إلي التحري في حياة المبدع، ليس انطلاقا مما أصدره وأخرجه للقارئ. ولكن البحث في مسوداته، مراسلاته الخاصة، اعترافاته السرية، قمامة مكتبه... وفي كل تلك النصوص الصامتة التي اكتشفها الناس بعد موته متوارية بين رفوف خزانته ثم رفض نشرها إبان حياته.
أما عن تعبئة الناقد الأزدي، للقارئ اتجاه حماقات السلمون فقد كانت إيماءاته في حل من كل تشويش علي عذرية النصوص وتلقائيتها. الدليل علي ذلك، تواريها عن كل واجهة إعلامية مجانية، محتفظا للقارئ بكبريائه وهو يقتحم عتبة المتن. حيث من المعتاد، أن تتبلور أولي لبنات التأويل تلك كما يفترض أكاديميا عند رأس حماقات السلمون . لكن العكس، هو الذي حدث. مسألة ربما تتضمن بعض الفرضيات مثل :
- ليس واجبا علي الشاعر، أن يفصح لنا عن شفرات تضميناته. وحدها القراءة المترامية تتكفل بذلك.
- أن أي تقديم نظري، كيفما كانت كلفته وتكلفته قد يعكر صفو وانتعاشة شهية القراءة.
- قد تتحول القراءة إلي إسقاطات ملتبسة لترسانة من القوانين والقرارات المسبقة، لا يتحملها قط الجسد الطازج لشعر ما.
- من غير الضروري، تمثل القراءة لبنية المألوف. وتعيد صياغته ثانية لكي تتواطأ مع قارئ يستكين في الغالب إلي المواضعات وتفزعه البدع والمستحدثات...
ولأن محمد بلمو وعبد العاطي جميل، يريدان لعملهما التمنع بالشعر دائما فقد سعيا إلي التشويش علي مفهومية الأزدي بمساحات من الشعر، وبالتالي عدم تخويلها كليا فرصة الانفراد والاستفراد بالقارئ.
تؤثث حماقات السلمون ثمانية وعشرون نصا، توزعت بين قصائد لمحمد بلمو، حملت العناوين التالية : حماقة / أسئلة صغيرة/ بلا معني/ الأبرياء / بيانات الحزن والفرح/ لم يمهلني كي أراك / وداعا إلي السيد شوينكوم / نص الأفعال/ جواب / موعد محجوز/إلي العزيز سيزيف/ شيق كالجحنة/ رعد الهشاشة / حريك مضاد.
في حين جاءت مسودات عبد العاطي جميل وفقا لما يلي : ديوان أقفر/ سلمون/ مركب خيبة / أرض أرق/ مسودات/ لم تمت / آيات / خبز ظن/ طريق/ زهرون/نزارية لجوء/ فانوس البهاء/ بخجل ألقاك / تلك أمنيتي.
هذا الفصل، لم يكشف عن نفسه إلا بطريقة تعاقدية من خلال إعلان تم إلصاقه احتراما لذكاء القارئ أو اختبارا لحساسيته الجمالية. بينما ظلت ثنايا النصوص غير آبهة بالهويات والوصفات. محتفلة فقط برنينها، محلقة مع انسيابها الشعري.
من حقنا الاستفسار حتما، هل كانت حماقات السلمون تناظرا شعريا بين محمد بلمو وعبد العاطي جميل؟ أم تواريا وجوديا مفتعلا؟ لماذا، قد تلجأ الذات المبدعة، باعتبارها أكثر الذوات تمركزا إلي لحظة مغايرة؟ ما هو التأويل المحتمل لذلك؟ هل من سند تصوري عند موقعي حماقات السلمون ؟ أم القضية، في مجملها محكومة بدواعي لوجيستيكية تتعلق بإكراهات مادية قصد التمكن من إخراج حماقات السلمون داخل هيكل سوسيولوجي ثقافي ميت تماما ينعدم فيه الحد الأدني من الشروط الملائمة للتحفيز علي الدخول في لعبة تراهن علي النشر والإصدار...
بلا شك، كل تلك الافتراضات وأخري تتداخل هنا، من السبق الشعري إلي التجريب النظري لسؤال الآخر والبين - ذاتي، انتهاء بمحتويات جيب الشاعر من قروش ودراهم. لكن المثير، عندي كقارئ لـ حماقات السلمون يتجلي أولا في انسجام و تماثل - علي نسبية ذلك كمفهوم مجرد - التيمة الشعرية، كما أن الحس الشعري هو ذاته: الوطن ،الحبيبة، الاغتراب، التيه، الإغراء، الالتزام، الفقراء، الثورة، الثوار، العزلة، اللامعني، الحزن، الفرح، الرغبة، المرأة، الذات المدينة، المصير، الزمان، السؤال، البحر، الشهداء، الموت، الأم، الذكري، الذاكرة، الجسد، الرحيل، الحمق....
يبقي التباين في تركيز محمد بلمو علي كثافة الصورة واللقطة المتحركة، بينما يروم عبد العاطي جميل نحو الإنصات أكثر لاهتزازات اللغة بالعمل علي تنغيم وتلحين هذه اللغة بموسيقي شكلية ومحايثة، لغة تحاور في كثير من تلوينات المسودات بين لباقة ودبلوماسية الشعريات الحديثة، ثم الصفاء العرقي و الإباء الجنسي للغة القدماء.عملية تتطلب ترويضا نفسيا عويصا لأنه من نوع خاص.
اهتم محمد بلمو من جهته، بتثبيت وتوطيد قصائده زمانيا. إجراء:
- قد يقوم بالفعل كمنهجية للتوثيق لا غير، لكي تظل ولادة القصيدة مشتعلة في ذاكرة المبدع.
- يخلق بلمو مسافة فكرية بينه وكذا ما أنتجه. تجسد له حصنا ومأوي أمام همسات النقدات سواء في إطار علاقة النص بباقي نصوص المجموعة أو حيال تشنجات القارئ.
لكن من المعروف، تمرد الزمان الإبداعي علي وصايا الزمان الفيزيائي. لذلك، ينتفي كل توازن منطقي بين النمو البيولوجي للجسد والسمو الإبداعي للكائن ذاته. أبسط دليل، هو أن البشرية اليوم حتي ولو راكمت الزمان الفيزيائي قياسا إلي اليونانيين، فمن المؤكد، افتقارها الإبداعي لموهبتهم في شتي الحقول المعرفية.
لا يكترث الشعر قط بالتقارير والإعلانات، تلك حكمته منذ الأزل. عظمته في إبائه وسخائه وسره في فتنة قراءته. الشيء عينه لبسني مع حماقات السلمون .
ناقد من المغرب
saidboukhlet@hotmail.com
محمد بلمو وعبد العاطي جميل في إبحار شعري جديد بقلم عبد الرحيم العطري اختار الشاعران محمد بلمو وعبد العاطي جميل الانتماء إلى بحيرة الشعر التي تتأمل العالم منذ زمن بعيد، لكنهما اختارا أخيرا أن يؤكدا هذا الانتماء بإصدار مشترك موسوم بحماقات السلمون، وهو الديوان الذي جاء غنيا بقصائد عميقة و مشاكسة تنصت لانكسار الذات وبهائها، تغني للحياة في شساعتها وانغلاقها، وتدمن، وهذا هو الأهم، نثر السؤال وتبديد الغموض وصناعته في آن. ديوان حماقات السلمون يتوزع على قصائد بلمو ومسودات جميل، فالشاعر بلمو يقترح علينا العناوين التالية: حماقة، أسئلة بلا معنى، الأبرياء، بيانات الحزن و الفرح، لم يمهلني كي أراك، رسالة وداع إلى السيد شوينكوم، نص الأفعال، جواب، موعد محجوز، إلى العزيز سيزيف، شيق كالجنحة، رعد الهشاشة، حريك مضاد. فيما يدعونا الشاعر جميل إلى معانقة العتبات التالية: ديوان أقفر، سلمون، مركب خيبة، أرض أرق، مسودات، لم تمت، رايات، خبز ظن، طريق، زهرون، نزارية لجوء، فانوس البهاء، بخجل ألقاك، تلك أمنيتي. عن هذه التجربة المائزة يقول الناقد والباحث عبد الجليل الأزدي:" شاع العمل الثنائي أو بالأحرى المشترك عند الكثير من الفاعلين في الحقل الثقافي: الأخوان كونكور، شاتريان و إركمان، لوريل وهاردي، عبد الرحمان منيف وجبرا إبراهيم جبرا، بورديو وباسرون، عبد العاطي جميل ومحمد بلمو، وفي هذا الصنيع تنتفي القواعد و الصيغ العامة، مثلما تتزايل عمومية الشعار المطالب بسقوط الواحد، لينتصر الطموح إلى ممارسة المتعدد، وضمن هذا التعدد لا يظل جميل وبلمو مجرد شاعرين حقيقيين، وإنما يصيران قبائل وعصابات الشعراء، إذ يحيل كل منهما على أناس مختلفين، وداخل المابين الإثنين تترامى أمداء بحار الشعر، غير أنها تزداد تعميرا بالسلمون المشاكس وحماقاته الجميلة." في أول القول يقترح علينا الشاعران شرفتين شعريتين يقول بلمو في الأولى منهما: لتستمر القصائد في اندلاقها نحو لانهائي الذات والآخر، بحثا عن المعنى أو اللا معنى، أملا في كتابة اللحظة وتفكيكها بأدوات شعرية وشاعرية تمنح اللغة آفاقا ومسالك غرائبية، ففي هذا الديوان المشترك، يبدو الرهان من أقصاه إلى أقصاه على الإنسان في شموخه وانهياره، في انجراحه واندماله، حلما واشتهاء لعالم آخر لا يموت فيه الإنسان ولا يستأسد فيه الخراب والدمار، إنها شعرية الواحد و المتعدد حد الامتلاء و البهاء. نقرأ أيضا من أجواء الديوان عبد العاطي جميل منشغلا بأمنيته و أسئلته و هو يقول: كما نقرأ محمد بلمو ناثرا لحماقاته و قصائد خسرانه و هو يقول: يذكر أخيرا أن ديوان حماقات السلمون صدر في122 صفحة من القطع المتوسط، و في حلة جميلة بغلاف دال من توقيع الشاعر عبد العاطي جميل.حماقات السلمون شعرية الواحد والمتعدد
محمد الإحسايني حماقات السلمون: هواجس الذات ومحا ولة تجاوز الواقع[1]
ihsaini_mohamed@yahoo.fr
فذلكة عن قصيدة النثر لابد منها
يشكل صدور ديوان" حماقة السلمون"[1] المشترك للشاعرين: محمد بلمو، وعبد العاطي
جميل، تحدياً وعنادا في مواجهة الاستسلام للواقع الذي يعيشه الشعر، والنشر، في الوقت الراهن، فجاء خيارهما المشترك مصوغاً من دمهما ولحمهما. ومازال الشعر عندنا يحاول أن يسترجع ديوانه المفقود، في عالم كان يسوده الشعر، والشعراء، بطريقة ما. وهذا العالم المبحوث عته في المخيل والواقع، أضنى الشعراء قبل أن يفاجئهم، لأنه يتميز، بالتغييرات السريعة المرتبطة بأشكال وأجناس أدبية وثقافية أخرى، وهو ما يبرر تحقيب الشعر، ومجايلته عندنا في العقود المتتابعة الأخيرة من القرن الماضي، إلى يومنا هذا، لكن دون التأريخ له. وهكذا نشارك عبد العاطي جميل استغرابه في " ديوان أقفر" ، ص10 ، حينما يكتشف أن "الديوان" المأمول مقبرة..؛ " إذ كان يحلم بثيمات: "المرأة"، و"الذات"، و"الشجن"، ومسودات أخرى تتعلق بأشياء هذا الوطن، وهي كلها ثيمات شعر الكتاب ذاته... لابد أن نشير إلى أن هذا الـْ "شعر" ينتمي إلى قصيدة النثر التي أخذت تسود بشكل رهيب، منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي، والتي أصبحت اليوم "حمار الشعراء"، والمتشاعرين. غير أن "قصيدة النثر"، مهما سادت، وكُتب حولها من دراسات، ليست في نهاية المطاف، سوى ذبذبات، واهتزازات، ونيازك شعرية، ناشئة عن الانفجار الكبير في الكون الأدبي، وردت إلينا ـ نحن في المغرب ـ من "الكواكب الأخرى" القريب منها والبعيد. الدليل على ذلك، إرهاصات المرحوم، محمد على الهواري، التي كانت عبارة عن افتتاحية صحافية، ثم ديوانه "صامدون" بطبعة رديئة، تبعته " تخطيطات" الشاعر أحمد بنميمون، وهي تجربة تكاد تلغي التجارب السابقة.ولكن... أضف إلى ذلك، تداخل الحدود في تعريف " قصيدة النثر"؛ إذ تعددت التسميات نفسها إلى أن تأرجحت بين "النثر" و"النثيرة" [2]. ويفترض فيها "، والحال هذه، أن تكون مستحيلة التعريف، إزاء تبختر القصيدة العروضية التي ظلت تجرر أذيالها أكثر من خمسة عشر قرناً، وأن تكون نصاً منغلقاً على نفسه، ومنفتحا في ذات الوقت على العديد من التأويلات.إلا أنها تتحدد ضمنيا، أو صراحة، وهذه من مقارقاتها المحببة، بأنها رفضت، وبتعليل أقوى، الملاءمة والانسجام مع النطام العروضي، أوكما يقول عبد العاطي جميل في ص16 "... سلمون"[...] حين همس السلمون/سأكتب النثر/لأني لا أعشق النظم/ ولا النظام/غادرني الكلام[...] ولا يزال تحديد النقاد لقصيدة النثر، يتوقف على إعادة التعريف البودليري السابق لقصائد نثره القصيرة، في "سأم باريس"، وضمن الشروط التي استخرجتها "سوزان بيرنار" من دراستها لقصيدة النثر في أطروحتها: "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا الحالية..." إذ تشير إلى ثلاثة شروط، كل واحد منها يستدعي ملازماً له، مقترحة المعايير التالية الإيجاز"، تلازمه - "التوهج"، يلازمه الإشراق. - "المجانية"، تلازمها اللازمانية، أي إنها لا تروم هدفاُ كالأشكال الشعرية والنثرية الأخري، كأن تروي قصة، أو تنقل رواية؛ بل تسعى لمعانقة ألقها الشعري المتوهج الذي يمتزج بروتوشات من الظلال. ومن شأن نظرة تاريخية أن تساعدنا على إدراك إشكالية التعريفات القائمة. وعلى ذلك، ليس لـ "قصيدة النثر" أن تبتعد عن الإيجاز، ولا عن الحذف، و عليها الانفتاح على تأويلات متعددة، وإلا فقدت كثافتها، وأصبحت حكاية، أو رواية، أو بحثاً، مهما كانت شعرية...
...وحديث عن ديباجة النص الموازي كخيار أستراتيجي
بالمناسبة، يصادفنا العديد من النصوص الموازية التي تشكل عتبات إلى النصوص في هذا الـْ "شعر" المشترك، بدءًا من مقدمة الناقد، والباحث، عبد الجليل الأزدي، وعبر إنجاز الغلاف، من عمل عبد العاطي جميل، ذي المواهب المتعددة، إضافة إلى شذرات شعرية أخرى كالـ "شرفتان" اللتان أفتتح بهما الشاعران عتبة الديوان، و لم يـُشر إليهما في الفهرس.
ومع ذلك، لا نحبذ مواجهة الديوان من ساحة كل هذه العتبات النصية الوفيرة، بالنسبة
لعمل أدبي طموح للغاية.
ماذا حقق النص الموازي في الديوان؟
أولا: حقق هوية النص، ولكن خارجه.
ثانياً: هناك علاقة تبادلية بين المتن، والنصوص الموازية التي لم تعد تنتسب إلى الوقت الميت عن طريق هذه العلاقة، والتي لا يمكن أن تتلاقى مع المتن أثناء نسج وحبك المواد، بحكم توازيها، أو تعاليها، وعلاقتها الصماء، التي تدخل في معمارية النص الخارجية. ثالثاً: مالعمل، حين تتداخل النصوص مع العتبات في علاقة المجاورة دون التقاء ؟ نأخذ العنوان: "حماقات السلمون"، له شعرية موازية لشعرية النص عن طريق: - تكثيفها. - الإحالة عليها. - يدعو المتلقي لقراءة النص لما يتضمنه من إغراء، أو بالعـكس، ينفره عن النص؛ فهو إذن، جزء من استراتيجيته كعلامة منتجة لمساره الدلالي الذي يتكون أثناء تأويل النص والعنوان معاً.
ونقتصر على إشارة خاطفة، إلى عتبة واحدة، تتداخل نوعاً ما، ولكنها تشكل حجر الزاوية في الحقل الدلالي، أعني عنوان قصيدة الـ "...سلمون" بعد أن أزيلت عن "السلمون" الحماقة؛ فزادت كثافته، وبعد أن أزيلت عنه "ال " التعريف لتزداد عموميته. وقد وردتْ "الحماقة" في العنوان، عن طريق التشخيصية، والعقلنة المرتبطتين بالسرد الشعري، في عملية درامية تتمايز، وتنبثق عنها تفرعات ترتبط بسياقها الشعري بقدرما تتسع أو تتكاثف، ولكننا سنكتشف أن "الحماقة"، إنما تزأبقت لتستقر في عنوان آخر، لقصيدة بلمو، بل تنداح، وتتكاثف بالصور الشعرية. قبل الدخول من باب العنوان، إلى لب النص، سنعثر مثلاً على مثل هذه الصورة الشعرية: "وليأت الموت مثل إغماءة/ في جديقة صوتك". ص: 7 . لاحاجة للتأكيد بأن أمثال هذه الصورة، خيار فني يتمسك بزمامه شاعر رؤوي، يحاول أن يمزق جبة اللغة العادية عن طريق الانزياح، وأن يغادر بتمهل، تشبيه شيء بشيء آخر، فأخضع الطبيعة لتموجات وحركة النفس، ورغبتها التي جعلت من صوت الحبيبة، حديقة يناشد فيها الإنسان لذة الموت.
الشاعر هنا، يحل في الطبيعة وتحل فيه، في عملية تكامل بينه وبينها. وطبعاً، فإن واقع الذات في حلمها النهاري، هو غير الواقع المعيش أو الواقع الطازج. [3] ومن هنا، تتكون أيضاً رواسب شعرية الغموض في قصيدة النثر، وانغلاقها على عالمها الذي أثته لنفسها والذي يدهشنا بجماليته.
القصيدة: "...سلمون"
محاولة الدخول من باب عدم اليقين لاقتفاء أثر حلم:
1- يبدأ الشاعر عبد العاطي جميل مطلع القصيدة، ومقاطعها بعلامات البتر بين قوسين لتنتهي في نهاية كل مقطع، أي أن هناك لا يقين، أثناء تكوّن عالم من الرؤى والدهشة، حاول أن يؤسسه.
2- يبني القصيدة على سبع حيثيات ظرفية، كشرط، وعلة وجود الفكرة الأساسية في القصيدة ذاتها، وهذه الحيثيات محصورة في بداية السرد بـ "مرة" – مرة واحدة- و"مرات" بلاحصر العدد...]
وقد تكررت هذه الحيثيات سبع مرات في كلمة"حين": لتكتسب صفة القيد اللازم في الجملة، وأداة لـ"التكرار"، وهي ظاهرة ليست مقتصرة على الـ" سلمون"" وحدها بل قد اكتسحت الديوان كله، نجدها في "حماقات". مثلاً: "كم" المكررة 6مرات، وفي " أسئلة صغيرة": تتكرر"من" في المقطع الأول، ونجد الجناس الاستهلالي في" غامضون"، /غاضبون"، وفي مثل"حين/ حملت"، "قلت"/"قرأت"/ "حين/ حلق"/ وهذه الظاهرة، تسعى إلى الحد من كثافة النص، وان توظفه على مستوى خطابها، للوصول إلى جمالية ما، في سياقها العام فأتى ذلك على شكل:"لازمة"،أو "التكرار"، والجناس، بما فيه الجناس الاستهلالي، والطباق، أواللجوء إلى بعض القوافي... عموماً، لا يتسع المجال هنا لعرض كل هذه الظواهر المشتركة في شعر بلمو، وعبد العاطي جميل. نعود لقصيدة الـ سلمون" ص16: "[...]حين يرسو الفرح/ على ضفتي/مرة /أشتاق/ للحزانى/مرات[...] فـ "يرسو"، غير حقيقي لأن الحقل الدلالي لا يحتوي على رسو هذا الفاعل الذي هو "الفرح"، لذلك ندرك أن هناك مجازاً يقوم على تشبيه الفرح بـ"السفينة"، مع قرينة تمنع من إيراد المعنى الحقيقي لـ"يرسو"، و "يرسو" كوحدة معجمية لم يعد يتحدد معناها على هذا المستوى بل يـُتوصل إليه عبر تداخل العلاقات والعناصر الإدراكية، كوحدة معجمية ليس لها معاني ثابتة، ولم يعد معناها يتحدد بذاتها،[4] بل بالنظر إلى سياقها العام، فهي إذن وحدة غير مستقلة عن الجملة، ومن ثم، فإنها فقدت معناها المعجمي كا ستعارة تصريحية، لتكتسب معنى جديداً هو " ينتابني"، أو"يهزني". ومهما كان هذا المعنى الجديد، فهو سينسكب فـــــي دائرة المجاز. لذلك يخلق فعل "يرسو" توتراً في المعنى على مستوى البنية الدالة، وينزاح به، لكن الجملة يتحكم فيها نحوياً المسند: " أشتاق"، الدال على الاستقبال؛ فهي إذن جملة واحدة، تؤجل فكرتها إلى أجل غير مسمى، لأنها مقرونة بحيثية ما، ولأنها تبدو معللة لا اعتباطية. وبذلك تؤشر على الغياب بتعليق الفكرة، بالرغم من حضور الصورة الشعرية المكثفة والمحققة بـ" برسو الفرح" الذي يشكل طباقاً مع" تهرب زرفتي"، فكلمة" تهرب " فقدت دلالتها المعجمية المتطابقة، وما تشير إليها الوحدة اللغوية بالوضع، لتكتسب دلالة أخرى، هي دلالة التلازم، بغض النظر عن دلالة المطابقة لـ "تهرب"، التي تعني"تغادر" أو "ترحل" بدون تحديد،الخ... حيث ترتسم استعارة أخرى بكثافة. ويوضح لنا المقطع مكون الجملة الكلامي [الصوتي] ومكونها غير الكلامي، المعنوي، يظهر ذلك، بملامح فوق تركيبية مع الوحدات المنطـوقة بين "يقضي ليله"، وبين "يقضي نحبه":"[...] حين يقضي نورس ليله/
أو يقضي نحبه/على رمالي/ تهرب زرقتي[...] وهناك"طباق" في"مائي"، و" قفر العباد"/ و "جناس غير تام" في قوله:"العباد"و"البلاد"./ وطباقان متتاليان ومكرران في قوله: " حين قال الرمل/تعددت الأجوبة/لكن/ دونما سؤال.."،قلتُ:" قرأت ألف كتاب/بحثاً عن سؤال/ لا عن جواب[...] ولا يفوتنا التعرف على صورة شعرية رائعة في المفطع التالي:"[...]حين نسيت غنجها/ في عمقي/خبأتها/من وأد عيوني[...]؛ فالفعل "نسي" فقد دلالته المعجمية المتطابقة، ليكتسب دلالته التلازمية الجديدة، أي " أضاع [ تْ ] " أو "فقد[تْ] " غنجها بسبب الزمن المبرر للفعل على المستوى النحوي، بـ"حين" كقيد للجملة أو فضلة... حينئذ،عمد الشاعر إلى الحفاظ به في قلبه ذكرى يتمثلها بين حين وآخر، لأن رؤية العين المجردة آئلة بدورها إلى النسيان والضياع، أي إلى إقبار الصور حية بالنسيان، عكس ما يحتفظ به المرء في سريرته. ثمة أيضاً مايسمى بـ"جناس الإشارة" أو "الجناس المعنوي" كما يوجد في المقطع التالي حناس استهلالي، في "حين" "حلق"/:"[...] حين حلق نورس/فوق أفقي المبحوح/ بسطت جراحي/لاحتضانه[...] ص17 "جراحي" فيه جناس الإشارة بالتصحيف الحرفي لـ "جناحي" وهذا كله بزيد من بهاء الصورة الشعرية التي تدهشنا.
أنا اكتب شعراً فأنا موجود
هكذا يبدع عبد العاطي جميل، حينما ينحت في صخر اللغة، متنه الشعري محاولاً أن يولد دلالة مرمرية، عبر تجربته القاسية مع المجاز والاستعارة، اللذين تنبثق عنهما تكوينات أخرى في المتن الشعري. ووجود القصيدة، هو وجود شاعر ما، وراءها، قبل كل شيء.هذه بديهة. لكننا نستحسن صيغة وجودية ترتبط بالذات:أنا اكتب أوتكتبني قصيدة "الـ"، فأنا موجود، أي "أنا شاعر" بصيغة وجودية. ونستدل على التماهي الذاتي بالضمائر المسندة إلى " المتكلم" ولو زعماً:" ضفتي" [ ياء المتكلم:مضاف إليه]؛" أشتاق"[ ضمير مستتر فاعل تقديره أنا]؛" رمالي"[ ياء المتكلم:مضاف إليه]؛ "زرقتي"[ ياء المتكلم: مضاف إليه]؛ حملتُ:[ التاء المتحركة ضمير الفاعل]؛مائي:[ ياء المتكلم: مضاف إليه]؛أروي[ الضمير المستتر،فاعل تقديره أنا]؛قلتُ:[ التاء المتحركة،فاعل]؛قرأتُ:[ التاء المتحركة،فاعل]؛ عمقي:[ ياء المتكلم،مضاف إليه]؛خبأتها:[ التاء المتحركة،فاعل]؛ عيوني:[ ياء المتكلم، مضاف إليه]؛أفقي:[ ياء المتكلم، مضاف إليه]؛بسطت:[ التاء المتحركة،فاعل]؛ جراحي:[ ياء المتكلم، مضاف إليه]؛غادرني:[ ياء المتكلم مفعول به] وكما نصت هذه القصيدة بعد كل هذه الحيثيات،غادر الكلام السارد، لأنه لا يعشق "النظم"، ولا النظام:أي عدم الخضوع لأي قاعدة أخرى كلاسيكية... السارد إذن له علاقة متينة بالقصيدة، وهي قصيدة النثر التي يرنو إليها بالطبع، في هذا السرد الذي انتهت عقدته بانتهاء السطر الشعري: "غادرني الكلام"
وداع إلى السيد شوينغوم":لمحمد بلمو أوباب القطيعة مع الواقع
للتذكير، حينما نشر بلمو "وداعاً إلى السيد شوينغوم" فى منتدى "دروب"، علقت علي ذلك:
"أخشى أن تهجر الشعر يوماً إلى الأبد." شوينغوم"، رائحة الطفولة، والمراهقة، بعد الكأس
الأولى، ثم ينبذ[ شوينغوم] نبذ النواة، قبل الدخول إلى الحي العربي... هناك، ولا أقول الحي الجامعي المسكون بالكوابيس."
كان جواب بلمو كما يلي:"أرجو ألا تكون خشيتك في محلها، وإن كان الشاعر يحس بعد
كتابة كل نص، أنه قد لا يكتب نصاً آخر. فبدون الشعر، لا أعرف ماذا سيتبقى"
فعلاً! هكذا أقنعني بلغة مهذبة، شفافة للغاية، تحتضن الصدق. فهو يمارس تفانيه في محراب الشعر، ناسكا،ً متعبداً، يسكب فيه جام المداد، ورحيق الآلهة. حينئذ، تمسكت بأسباب الرجاء مثله، حتى ظهرت "حماقات السلمون"
تتضمن القصيدة المشار إليها، مزايدة صريحة ونموذجاً مميزاً للمزايدات على الواقع نفسه، بشكل أكثر عنفاً؛ هذه المرة، بسبب تدخل القوى الكبرى في الشرق الأوسط، وتداعياته على وجدان رجل الشارع العربي، وسيادة المعايير المزدوجة، وارتفاع أسعار البترول بشكل مذهل. يأخذ التشكيل المكاني أبعاده المختلفة على مستوى تشكيل الصورة: يتبدّى بوضوح بعد أن جمعت الصورة، أجزاءها في العبارة التالية: " لم يعد لك- أيضاً-ظل/في سرير فمي/ولا في مقهىً يقذفنا إليه الزحام" ص67.
في هذا الإيقاع اللغوي السهل الممتنع، تمتزج حركة النفس الغاضبة بالخيالات، وتلجأ إلى التكثيف في إيراد الخواطر، والأفكار، حتى توفقت في مزج إيقاعاتها الداخلية غير العروضية بالإيقاعات الخفية للوجود.وقد أستطاع الشاعر أن يخضع الحركات الطبيعية لشوينغوم المـُلاك، لحركة النفس وتموجاتها، فشكل منه صورة "خليلة " تدق باب فمه- والفم، يرادف"باب الدار"، ويطلق حتى على بعض الأمكنة في اللهجات المغربية واللهجات العربية: "فم الحصن"، "فم زكيض"، باب الكبير في الدار البيضاء، باب فتوح، باب الشرجي، العراق...إلخ- حيث كانت تضطجع على سريره، فهي مطرودة من وجوده، بما في ذلك ذكريات الطفولة والمراهقة، ومصاحبته إياها إلى المقهى، وأماكن اللهو، هروباً من حشود الشارع؛ فهو يضحي بجل الذكريات المرتبطة بمرافقته، وبشبابه، من أجل مذهبه، وإيديولوجيته. ومن حسن حظ العربية أن هناك ترابطاً جناسياً ما، بين "الشاعر" و"الشارع". والشارع سيكون في خدمة الشاعر الذي لا يتخلص من" شوينغوم"، فحسب، بل من خمر " العزيز شوينغوم"، بسبب نصيحة طبيبه.هذا الأسلوب السهل الممتنع الذي يذهلنا بتفاصيل اليومي هو الذي يواجه به بلمو عزيزه " شوينغوم"، لأن هذا العزيز بلغ من الكمال شأواً عظيماً لا ينبغي الاستهانة به، له إمكانيات هائلة لخصها في" بإمكانك/ أن تغطي ثقباً رهيباً/ في جدار العاج"،/ أن تخفي عن الحبيب/خرائب سوداء/وعن الابتسامة/ صدأ يناوش القلب/ أن تغري الطبيب/ بحماقات صغيرة/ وتشعل في طفولته نزق الذكريات/ و بعد أن يستعرض كل إمكانات" العزيز ِشوينغوم": يتحداه في سخرية." لقد أحس الشاعر بأزمات واقعه عن كثب، فدق باب قلبه يستفتيه في نوع من التجاوز، يستبطن جزئياته ليأخذ فيها التشكيل المكاني أبعاده المختلفة على مستوى تشكيل الصورة التي تتبدى بوضوح، بعد أن جمعت أجزاءها في العبارة التالية:" لم يعد لك- أيضاً-ظل/في سسريرفمي./
ومع ذلك، تظل الفكرة عنده، بالرغم من هذه "المزايدة"، هروباً من حشود الشارع، من واقع فج، طازج، إلى افتراش واقعية في منغلق اللاوعي الزاخر بفضاءات الرؤى حيث سلطة الحلم الآمرة بنبذ تلك اللأشياء، وتلك الحماقات التي غدت مستهجنة، أوكانت جميلة يعشقها المرء في يوم من الأيام. و جمال التصوير الشعري يكمن في أن القلب صاف إلى حد ما، لأنه مكمن العواطف والتهليل للفرح أو خزان للغضب الدفين، ة الذي أشار إليه بـ "صدإ القلب"، فـ "يناوش" كوحدة لغوية فقدت دلالتها المعجمية، لتكتسب دلالات تلازمية أخرى غير محدودة: " توسوس"، " تشغل"، "تهيـّج الخ.... فالدلالة الجديدة مفتوحة على معان يتوصل إليها بالتأويل بعد الانزياح عن المعنى الأصلي.
القصيدة مع ذلك، نوع من التجاوز للواقع، وتتركز على: - استطاعت أن تحدث تواصلاً بين المرسل/المرسل إليهم. – تعتمد على لهجة المُحاجـّة، أو الحجاج. تجسد خصمها الإيديولوجي بواسطة أسلوبها الكنائي [ العزيز شوينغوم]. يمكننا عن طريق التداعي الأولي التعرف عليه: شوينغوم، كوكا كولا، تايد، الهموبرغ، قطع غيار معينة إلخ... فالقصيدة بيان احتجاجي من بيانات الشاعر، لا تختلف عن" بيان الاغتراب" في جرأتها، ومزايدتها على الواقع بتجاوزه. و تسري هذه الخاصيات التي تميز شعره على " بيانات للحزن والفرح/ "من تسربات المدن المحاصرة": "بيان الوصل"، "بيان المشنقة"، "بيان الفضح"، " بيان الانحدار"، "بيان الغواية"، "بيان الجنون"، "بيان الجسد"، " بيان التيه،" " بيان الجلاد" و" بيان الشروق".
" شيق كالجحنة"أو اقتباس الفردوس من القلب المعذب
وفي" شيق كالجـَحِنـّة"، ص99 تكمن لغة متوثبة زئبقية، غاية في حبك السخرية بطرافة نادرة. وعي شقي يمارس به "السلمون" حماقات تبدو لا متناهية، بمزايدة على الواقع. تستمد هذه القصيدة هيكلها الفني من تشكيل إيقاع كلماتها وتراكيبها، وقد لجأت إلى الجناس الاستهلالي"عام الضجيج/ على الأرض/ عاد الضجيج" وكلها مبدوءة بحرف [العين]، أو تلجأ إلى الترديد بتكرار" الضجيج"، وبأفعال الأمر، بدءاً من مطلعها:[ 15 فعل أمر، بما في ذلك فعل أمر آخر، مقترن بجوابه، كن ناسكاً/ تتعقبـْـك اللسعات] +5 "لاءات النهي". "كن ناسكاً" صيغة ستتخذ شكل لازمة، وتكرار، تتقاطع مع القصيدة، ولكنها غير معنية إلا بتحديد تفاصيل اليومي المتزاحمة للوصول إلى ذروتها في الأخير. [القصيدة]
كن ناسكاً
إذا اقتربت
دع الكلام
عام الضجيج
على الأرض
عاد الصدى
أنصت لنار تقطر بالندى
كن ناسكاً
لاتأبه للنوم
الشعراء يأتون تباعاً
عازف العود والقانون
القاعة العارية
أسراب الكراسي
سفر التكوين
الصهد
الغبار
الغذاء الوعر
كن ناسكاً
تأخر التاكسي
عن موعد الخبز
قارورة الغاز نفقت في لمح
مثل شاة مرهقة
في مطبخ المهرجان تنتحر التوابل
من أي طريق سيسلك المغني
إلى ركح المساء
كن ناسكاً
لاوقت لروتين البطن
هل الأحبة مطر عسل
فشبعت
كل البيوت أشرعت قلوب الفرح
حين دق الطريق
شرق المدينة التي صارت للتو
القرية الشاردة
قصبة السكر الذي ينهشها
جراد
لصوص
وشرطي أجلف
كن ناسكاً
لن يخجل السم من قصيدتك
لن يذهب الحقد إلى حال قبره
لن يرقص الفرح
دون تفتيش ومحاضر قدت من نذالة
كن شبحاً
كي يكتمل دمع الآبتهاج
كن ذوباناً
التقط ورق الطريق
واضرب به أوساخ مدنك
البيوت المهجورة تزينت
أين أكياس الجير والمسامير
أي وجوه أقبلت
على فنائك
فانشرح الحزن
تضاءل الياٍس في اصفرار
التلال
وأفشى القمر سر أضوائه حين
فاجأ الناي الكمان
بسؤال الوجود
ارتفع الإيقاع الرصين بالجموع
في ساحة باهتة انتصبت أضواء
تمايلت أضواء الطين أجساداً
تراشقت بالشعر ألحان
ودبت جنة بالمكان
كن ناسكاً تتعقبك اللسعات
لاتتعب
لا تغضب
لا تذهب إلى سوق رأسك
بسرعة تجرع فنجان قهوتك
تكفيك حبات تين بارد
كلما انتبهت لاحتجاج بطنك
واترك اللحم القليل للزوار
كن ناسكاً
كن خفيفاً
لأن العبور صوت جراحك
لأنك وفي لسفر الغريب
لن بغفو الفطار وتنسى ظلك
في مقهى مؤقت
ماهي القمم الدرامية للقصيدة بعد للتفاصيل التشكيلية؟ هناك قمتان دراميتان، قمة متوسطة، وقمة نهائية القمة الأولى تتمثل في:
كن ناسكاً
لن يخجل السم من قصيدتك
لن يذهب الحقد إلى حال قبره
لن يرقص الفرح
دون تفتيش ومحاضر قدت من نذالة
هذه هي القمة الدرامية الأولى أو العقدة السردية التي حلها الشاعر، وهي تتلخص في جوابات أمر ضمنية مجازاً لأنها نحوياً منصوبة في محل جزم: " لن يخجل السم..."،" لن يذهب الحقد إلى حال قبره"؛ "لن يرقص الفرح دون تفتيش" بالإضافة إلى ما تتضمنه من استعارات متتالية في"يخجل"، "يذهب"،" يرقص"، "حال قبره"، المحرف من "حال سبيله"، مع استغلال التكرار بـ "لن" لا، لتأكيد المعنى وحسب؛ بل لتوظيف التكرار سعياً وراء استطيقا تكون قد تحددت في دلالات سيكولوجية ضمن سياقها العام.
القمة الدرامية النهائية تأتي مع خفوت صوت القصيدة ذاتها في تشكيل تكاملي:
كن ناسكا
كن خفيفاً
لأن العبور صوت جراحك
لأنك وفيّ لسفر غريب
لن يغفو القطار وتـنسسى ظلك
في مقهىً مؤقت .ص103
هذه هي النهاية الدرامية التي تنتهي إليها القصيدة كصوت احتجاجي، تؤكد به الذات واقعها واغترابها الدائم، يالأدوات والإجراءات التي أشرنا إليها سابقاً، وتصوغ من "جراحها" صوتاً وأنيناً كوسيلة للعبور، فتخاطب نفسها بكاف الخطاب- مجازاً- وتحثها على "الإنصات لنار تقطر بالندى"، لتنتصر على المعاناة اليومية، وعلى فداحة الزمن الرتيب إذ أن سيرورته لن تتوقف، ولو في "إغفاءة"...
وبعــــد:
الانطباع الأولي الذي يصاحب استنتاجاتنا بعد هذه "القراءة"، هو أن الشعر لا يزال بخير. فبدونه، و وبدون الشعراء، لن ندري ما عسانا أن نفعل في واقع رتيب، يتسم أحياناً بشراسته، وعدوانيته، وأن الطبيعة لا تزال في حاجة إلى من يعيد صياغة ظلالها الملتبسة بالألق، والحلم الهارب، والواقع الفج، وهو مطلب الفنانين والشعراء منذ قرون. هل تشكل القصائد في الديوان كتلاً متجانسة؟ وهل هناك اختلاف؟
ومع أن طرح مثل هذين السؤالين،قد لا يبدو سابقاً لأوانه، بعد استعراضنا للخواص المشتركة، بمافي ذلك تفاوت استيعاب الكثافة الشعرية لكل قصيدة، وظواهر التكرار، والجناس، والطباق، ومحاولة خلق غنائية تتأرجح بين الذات، واليومي، فإن كل ما يمكننا تأكيده أن القصائد التي قرأناها بمقاربة تقدية، تجمعها خاصيات الهوس بثيمات الذات، وبالمرأة، والاغتراب، ومواجهة الواقع بلغة احتجاجية وبـ حماقة سلمونية عنيدة، تلك القضائد، تبني صورها الشعرية الملتقطة من أجزاء الواقع، باحثة عن فضاءات الحلم، وإيقاع آخر، غير إيقاع العروض والتشبيه.
هوامش:
حماقات السلمون: محمد بلمو/ عبد العاطي جميل،المطبعة والوراقة - الداوديات/ مراكش2007(1)
.
محمد الصالحي، شيخوخة الخليل، منشورات اتحاد كتاب المغرب2003 ص/ص/10/ 36 اظر أيضاً"البيان ( 2)
البودليري، رسالة إلى هوساي:في:
Baudelaire ,Le spleen de Paris,petits poémes en prose p19-21,Librairie Générale وأيضاً:Française,1972,1998
Le POEME EN PROSE de BAUDELAIRE jusqu’à nos jour,Suzanne Bernard, Librairie NIZET,Paris 1994.
/79/ الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية.ص/ص: 42 الدكتور عز الدين إسماعيل: ( 3)
دار العودة بيروت ط3 / 1972142
( 4) د. محمد غاليم، المعنى والتوافق: مبادئ لتأصيل البحث الدلالي العربي/ منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب
في الرباط 1999
<<الصفحة الرئيسية








