الشعر كائن إشكالي كثر الكلام ـ هذه الأيام ـ عن الشعر ووظائفه ، وتشعب مساراته ، وتعدد مشاربه ومسالكه
، وتنوع مقارباته ، فتداخلت الآراء وتشابكت ، فتلاقت وافترقت حول ماهيته وطبيعته . فبلغت السجالات أحيانا مبلغ الجد والفضيلة ، وأحيانا مبلغ الهزء والرذيلة . فارتفعت الأصوات لإثبات الذات وبسط وجهات النظر . وكان الشعر في هذه الجولات يخرج سيد الموقف وبؤرة التوتر ، لأن طبيعته في حد ذاتها خلافية .وعوده من طينة إشكالية .فالشعر ضد الإقصاء والأحادية والتشميل . والشعر صدر رحب يتسع لكل التجارب الشعرية ، يحضنها جميعها ، وبإمكانه أن يحضن حتى التجارب التي لم تولد بعد ... لذلك فالشعر مفتوح على الآني وعلى الآتي . فهو جوهر واحد ، لكنه متعدد في نفس الآن .فكل الأشكال التعبيرية قديمها وحديثها قادرة على القول الشعري ( القصيدة التقليدية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ... وبإمكانها أن تتعايش الأشكال وتتفاعل في تجربة شاعر واحد . فثمة شعراء يكتبون بهذه الأشكال بمختلف تنويعاتها ، وذلك حسب الموضوعات والحلات والتدفقات الشعورية . من هذا المنطلق ليس لأحد الحق أن يسقط صفة الشاعر عمن يكتب بإحدى هذه الأشكال ، ولكن له الحق أن يختار شكلة التعبيري في البوح الشعري . كما ليس لأحد الحق في توزيع أدوار الشعراء ، وتلبيسهم جبات تكبرهم أو تصغرهم ، تعملقهم أو تقزمهم ... فوحده الشعر الشعر قادر على التمييز والتصنيف لأنه القادر على لم شمل المؤتلف والمختلف والمتعدد والمتنوع تحت يافطته...
ـ الشعر كائن ديمقراطي..
الشعر ديمقراطي بامتياز ، لأنه لا يصنف الشعراء حسب تواريخ ميلادهم ، ولا حسب انتماءاتهم ولا جغرافياتهم ولا حسب ألسنتهم وألوانهم ، لأن هذه التصنيفات تقع خارج الشعر وجوهره . الشعر هو الشعر هو الشعر كما قيل . فهو ضد التصنيفات المفتعلة والمزايدة والعرضية والمختلقة...
فالشعر متعال عن الخصومات والمشاجرات والملاسنات فلا يصاب بالأزمة ، لأنه فوق الظرفي والمؤقت والعارض .. فلماذا يكثر الحديث عن أزمة القصيدة ، تأزمها ، تراجعها ، عجزها ، مأزقها .. هي نعوت وتوصيفات هلامية ، ليس حقيقا بأن يوصف الشعر بها ... فالأزمة تقع خارج رحم الشعر ذاته ، فالأزمة قد تكون أزمة القارىء العاجز عن تذوق الشعر ، وسبر أغواره ، وتفكيك إوالياته .. وقد تكون أزمة الشاعر الذي يطلق الكلام على عواهنه ، ويطلسم مفردات اللغة التي يقول بها غموضه غير الفني...
والشعر لا تخطئه العين ولا الأذن ولا القلب ، فهو يدرك بالحواس جميعها ، كما يدرك باللاحواس ، لأنه رؤيا قبل أن يكون رؤية . والقراء ـ دون شك ـ متعددون ، قد يشتركون في حواس ، ويختلفون في أخرى . والشعر ديمقراطي يؤمن بأدبية الاختلاف . لكن بعض الشعراء ، وبعض النقاد دون ذلك بكثير يترددون أو يتفاوتون في درجة الإيمان بديمقراطية الشعر .. ولست أعرف السبب ..وياليتني أدري ..اا .. فمنطق الشعر يرفض أن يتحول الشعراء إلى ميليشيات أو عصابات مستفزة لا تتداول إلا أعراض المبدعين بدل تداول هم الإبداع وهم الواقع المعيش. إن منطق الشعر يتأسس على الحب والتكافل الجمالي ..ولم لا يكون الشعر الحب ذاته ؟اا .. مادام هدفه الأسمى أن يوحد هذه الكائنات الإنسانية في تفاعلها واختلافها وتنوعها ،لا أن يجعل الجميع وفق نمط معين أو في نسخة نموذجية وحيدة مكررة . والشعر ضد الفعل اللاإنساني المشين أيا كان مصدره ودافعه ، لأنه يرفض القهر والإقصاء والادعاء .. فالشعر رسالة جمالية موجهة بقصدية أو دونها من الذات إلى الذات أو عبر الذات نحو الآخرقصد إثارة اللذة حسب بارت أو الهز حسب الجرجاني ، قصد بلاغة الإمتاع وبلاغة الإقناع...
الشعر كائن زئبقي.... يبدو هذا القول في الشعر عاما ، حالما . وقد لا يرضي الكثيرين ، ولا ينبغي له ذلك . فالشعرعصي على القبض والتنميط والقولبة ، متمنع حد الجنون أحيانا ، جامع لكل الفنون ، متفاعل مع المعارف والخيالات ، مطلع علىالاجتماع والسياسة والفلسفة ... لكنه ينسج عوالمه المتميزة ، فلا يستعير لغاتها ، لإنه ليس دروسا وليس بيانات وبلاغات كما أنه ليس أوهاما أو هروبا من المعيش ،. فالشعر انخراط في الواقع ،فمنه يستمد نبضه وقوته من خلال المقروء والمشاهد والمسموع والمتخيل والمحسوس ... والشعر لا يقول كلمته إلا ليحقق كينونته ، وفاعليته في الزمان والمكان والإنسان . ولذلك فهو لا يختار موضوعاته ، لأن الكائنات الصامتة والصائتة جميعها صالحة لأن تكون مادة لموضوعاته ، يشكلها وفق منطقه المتميز والمتفرد ووفق لغته السامية الخاصة...
أبريل 2000
الخميس, 13 ديسمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








